الثلاثاء، 28 يونيو 2011

لقطة من حياة بائس ..

كان الطقس شديد الحرارة والصخور تكاد تنفجر من شدة الجفاف, رغم اقتراب الشمس من المغيب. وفي جانب من وادي شاسع يلتوي بين هضاب الصحراء يقبع شيخ بدوي وزوجته في خيمة صغيرة ... ومع سكون الصحراء القاتل يسمع صدى صوت الشيخ وهو يكلم زوجته : عايشة !! عايشة !! يا عايشة !! .... أين أنت؟؟ لماذا لا تردي ؟! فترد عليه زوجته بصوت أبح مكتوم صادر لا من حلقها بل من أعماق بطنها: آه... آه ... ايوه ... ماذا تريد ؟ ألا تنتظر بعض الوقت يا أبا عمر !   ألا تراني اغسل سروالك اللعين هذا.... ها ... فاستطرد أبو عمر وهو يرتعش كالمحموم : اتركي ما بيدك وتعالي ... ابحثي معي عن المقص !! الله يلعن الشيطان !! الله يلعن الشيطان  !! لقد وضعته اليوم  في الصباح تحت الوسادة اللعينة ..أف .. الله يلعن إبليس ... فدمدمت الزوجة وهي تنهض من مكانها تتمتم بصوت خافت وكأنها تكلم نفسها: يا لك من أحمق ... لعين ... لا احصل من ورائك سوى على الهم والتعب ... ها هو !! ها هو !! مقصك المشئوم !!  ألا ترى ؟؟ فصمت أبو عمر ثم تنحنح وتحرك من مكانه وقال:  آه .. نعم .. هاهو المقص .. آمنت بالله العظيم ... آمنت بالله العظيم ...
وغابت الشمس ... واكتست الصحراء بلون السواد ... وسكن الكون وهدأت الصخور وسكنت الطيور ورقد أبو عمر وزوجته عائشة تحت لحافهما ... في خيمتهما ينتظران بزوغ الفجر ...
وجاء اليوم التالي ... ساعة الظهر, يوم شديد الجفاف .. وأبو عمر يجلس وبين أنامله المتجعدة الخشنة حبل طويل يجدله بقوة والعرق يندس من جبينه, وعيناه محمرتان من شدة الحرارة وفوق رأسه منديل كان ابيض اللون ...  أبو عمر, هو رجل في الستين من عمره, شديد النشاط, يعمل بكد ويحتمل ما لا يحتمله الرجال الشداد ... لا يملك في هذا الكون سوى زوجته عائشة وحماره "مغبون" وبعض الدجاجات, ولم ينجب أطفالا, وكان ذو وجه عبوس شديد البؤس, قليل الابتسام ... يجمع الحديد ويبيعه في السوق ... يحمل الحديد على ظهر حماره "مغبون " يبيعه ويقبض الثمن بخس دراهم معدودة ... عائشة زوجته في الخامسة والخمسين من عمرها,  وهي عجوز صعبة المراس قليلة الابتسام كثيرة التجاعيد في وجهها ... لا تسكن إلا إذا سكنت الشمس, كثيرة الحركة ... تغسل وتكنس وتطبخ وتشعل النار ... وتنتظر زوجها كل مساء ليحضر ومعه ما كسب من مال قليل فينفقونه على أكلهم ... هكذا هي حياتهم  لا تحيد عن هذا المسار منذ أكثر من ثلاث عقود ... يسكنون هذا الوادي النائي الذي يبعد عن القرية أكثر من عشرة أميال ...
  انتهى أبو عمر من جدل حبله وربط الحمار وأوثق رباطه ... وقال لزوجته بصوت خافت : ادع لي يا مستورة ... عسى الله أن يرزقني رزقا طيباً مبارك فيه .. لقد أصبحت الحال صعبة ... لا تطاق... فتأوهت عائشة : لا تقلق ... توكل على الله ... فتمتم أبو عمر : آمنت بالله العظيم ... وسار متجها إلى القرية ... ورأسه بين كتفيه وقد بانت انحناءة ظهره وخطواته المائلة .. وكانت عائشة تنظر إليه وفي مقلتيها المترهلتين تجمع دمع كثير ...
***
بديع القشاعلة



الأحد، 19 يونيو 2011

عربٌ على عرب ...


أفزعتني تلك المشاهد التي رأيتها على القناة الفضائية ... فتبهنس ثم أحجّم عن التفكير فيها عقلي ... أصابتني رجفة خلطت كل أعماقي ... وكيف لا استغرب,كيف لا اهلع أو افزع أو ارتعب !؟ عرب على عرب ... جنود أقوياء أشداء يطئون بأقدامهم الكبيرة رؤوس الناس ... مقيدون ومكبلون ... والجنود يقفزون على ظهورهم, يستجمعون كل ما آتاهم الله من قوه ويضربون البطون والظهور والرؤوس ... عرب على عرب ... بئس ما يفعلون ... يا لهؤلاء الجنود "البواسل" إنهم يدقون الأرض بأقدامهم يملئون الدنيا غباراً ... حرية !! حرية !! هذا ما تريد ؟؟ يقولونها للثائر المكبل بالقيود, ثم يطعنوه "بالبساتير" ... فلا يقوى على شيء, إلا أن يتأوه ويتألم ويقول: حسبي الله ونعم الوكيل ... أبكتني تلك المشاهد, أبكاني أن الجنود لا يشعرون ولا يرأفون ...  ولما كل هذا الجنون ؟؟ لما كل هذا "الساديزم" ؟؟ لان الثائر قرر التمرد على المفسدين في الأرض  وعلى ذلك المخبون ... إمبراطور دمشق ... ذلك المتسربل ثوب البغضاء ... عرب على عرب ... دوامة من الأفكار جالت في خاطري ... ما كل هذا الزخم ... اشعر بشيء غريب, حصار يخيم على الأنفاس فأحاول الابتعاد عن التفكير في هذا الأمر فيعرقل الدجى خطاي والمكان الحالك بالسواد يربض على أنفاسي , التمس الطريق عبر الأفكار فيختلط الآن والمكان ... ضجيج يعتصر الروح من الروح ... فما الذي أوقد كل هذا الحقد البغيض وما الذي افرغ في الكون كل هذا الظلم المميت ... رغبة عمياء توزعت بقايا كدر ورماد ... عرب على عرب ...

***

بديع القشاعلة

فرح وترح ...


الموتُ حط كالكفنْ ... حزنٌ خيم على المكان وليلٌ أرخى سدوله عليّ بأنواع الهموم ليبتلي ... لعمرك إن نوائب الدهر عظامُ ... نوائبٌ حطت رحالها وأبت الرحيل ... تعجز القلوب الكواسر عن تحملها ... فتترنح وتخطو بخطوات تتمايل حتى يصل الجبين حد التراب ... فرحٌ وترحْ ... لحظات من الفرح المغموس بالحزن والترقب ... وصوت الأغاني يخفت شيئاً فشيئا ... ابتساماتٌ تنتشر في كل مكان ومن خلفها خوف وانتظار .... غصةٌ تملأ الأحشاء ... بيت رفرفت فوقه الرايات ... الرايات البيض ... فوقع الخبر ... وسقطت ورقةٌ من شجرة في ساعات الفجر الأصيل ... ورقةٌ يافعة جميلة هوت, فهوت معها القلوب واحتبست لها الأنفاس ... وبزغ الفجر على بيت سقطت منه الرايات وتجمع الباكون من كل حدب وصوب ... صمتٌ رهيبْ ... اختفت كل تلك الابتسامات ... سقطت مع سقوط الرايات ... الرايات البيض ... عظم الله أجركم ... عظم الله أجركم ... علت هذه الكلمات ... ومن بعيد ... من ذلك المكان الذي اشتعل بكل النيران ... من ذلك المكان الذي وطئته كل الأحزان ... تتردد كلمات تكاد لا تسمع, تخنقها العبرات ... شكر الله سعيكم ... شكر الله سعيكم ... إنا لله وإنا إليه راجعون ... لله ما أعطى ولله ما اخذ ... إيمانٌ عميق ... إيمان بان الله عز وجل يرقب المكان ويرقب تلك العيون والقلوب الباكية ... إيمان بان الله عز وجل لا بد أن يعوض المبتورين, المصابين ... إيمانٌ بأنه الامتحان الحقيقي الذي يكرم فيه المرء أو يهان ... والذي تبيض فيه الوجوه يوم تسود الوجوه ... فلا نقوى إلا إن نقول,  إنا لله وإنا إليه راجعون ... وتمتد الأبصار إلى الأفق البعيد فتلمح ألوان قوس قزح الجميلة وطيرٌ يرفرف بجناحيه وفراشةٌ جميلةٌ تحوم حول وردة ألجوري العطرة ... فترتسم ابتسامة خفيفة على الشفاه ونسمةٌ باردةٌ تداعب الأجفان ...
***
بديع القشاعلة

الجمعة، 10 يونيو 2011

موقف ٌ في سوق ..


حدثني احدهم, انه ذهب إلى السوق يوماً, وقال لي, بينما أنا هناك, رأيت في زاويةٍ من زوايا السوق, حيث الحمير والبغال وجموع الناس ... عجوز عابساً متجهماً من الحياة وحماره خلفه ينظر يميناً ويساراً.... وكثيرٌ من الحمير والبغال تقف خلف أصحابها لا تفعل سوى أنها تقف مشدوهة تنظر إلى المارة وهم يروحون ويغدون مطأطئي الرؤوس ... كان العجوز واقفاً يحك بيده قفاه ... يستمع إلى صوت بائع الجزر, وهو يلوح بيديه في الفضاء وكأنه يغرق ويطلب النجدة ... يصيح بلا توقف وصوته يرتفع في وسط ضوضاء السوق: جزر!!! جزر!!! تعالوا على الجزر !!! يا بلاش !!! بس بقروش بتعبي كرشك ... بتسعد نهارك ... جزر!!! جزر!!! يا سلام ... تعال ذوق ببلاش!!  هاي!! أنت !! نعم أنت ... يا بركه !!! أشتري ... تعال ...  وكان يشير بإصبعه إلى ذاك العجوز ... عندما سمع العجوز هذا النداء ابتسم ورفع يده من قفاه وقام متجهاً إليه وقال له بصوت خافت: بكم الكيلو ... فرد البائع بصوت غليظ: خليك من السعر وتعال ذوق ... خذ هذه الجزرة لك ... حلوة ... خذ ... كل ببلاش ...
فمد العجوز يده المرتعشة إلى الجزرة وأخذها: نعم ... نعم .. شكراً .. اوووواه ... ممممم ... حلوه ... طيبة ... ممممم... وأكمل البائع يقول: ها ... يا بركه ... يا جزر !  يا جزر!  تعالوا اشتروا !!  ببلاش ... ها ... أعبئ لك هذا الكيس ... فتنحنح العجوز وقال: طيب .. طيب ... بس بكم الكيلو ؟
-      بعشرة شواقل يا طيب ... فقط ...
-      بعشرة شواقل !!! ايش !! بعدين ... تأخرت سأشتري بعدين .... تأخرت... واختفى العجوز ...
-      هاي !! أنت ! أين ذهبت ؟  يالك من وقح .. يالك من لعين.. ادفع حق ما أكلت !! هاي.. هاي.. أين ذهبت أيها الشيطان ؟! اللعنة لقد اختفى ...
..... وراح يصرخ بائع الجزر مرة أخرى ... وصوته الأجش يختلط بصوت باعة اللحم والسمك والخضار والفاكهة والبخور .,. وفي السوق تفوح مختلف الروائح, فتختلط رائحة اللحم والسمك برائحة البخور والعطور وروائح العرق وازدحام الناس, والكل في حركة وجلبة ترى فيهم الفرح والتعيس والساخط والصبور والفائق والنائم ... خليط من البشر يروح ويغدو ويسمع صهيل الخيول ونهيق الحمير وأزيز الزحام ...
***

بديع القشاعلة

الجمعة، 3 يونيو 2011

الدراكولا ...


انه الدراكولا !! مصاص الدماء ... لم يرحل بعد ولا يريد الرحيل ... مشواره لم ينته بعد منذ عقود ... متشبث حتى الموت أو اللاموت ... مصمم على عدم الرحيل ... دمه ثقيل لا يطاق ... لا يكترث لتلك الصيحات وكل هذا الصراخ ...ارحل ... ارحل ... ارحل ... فهو لم يشبع بعد ... لم تكفيه كل الدماء ... فهو يشرب ويشرب حتى تمتلئ العروق وينام كل الليل ثم يفيق ... يبحث عن طعم آخر من الدماء ... لقد جفت كل الدماء وما تبقى سوى الدموع ... وما زال الدراكولا يصول ويجول ... ومن حوله كثير من الدراكولات ... انتشر الموت في كل مكان وفي كل البلاد ... حتى الأطفال ماتوا ... يقتلون ويقطعون ويسلخون ... وقبور جماعية ... كل هذا بسبب الدراكولا ... لأنهم لا يريدونه ... يكرهونه حد الموت ... يمقتونه ويطالبونه بالرحيل ... ارحل ... ارحل ... ارحل ... وما زال الدراكولا يصول ويجول ومن حوله كثير من الدراكولات ...
فليسقط الدراكولا ... الشعب يريد إسقاط الدراكولا ... كفى شربا للدماء ... فما بقي في العروق سوى الدموع ... ولكنه لا يفهم ... لا يفقه شيئا ... يتمسك في البقاء ويكشر عن أسنانه البيضاء ... ويقتل كل يوم عشرة .... لا تردعه كل الصرخات وكل الآهات ... لا يكترث لتلك الكلمات ... ارحل ... ارحل ... ارحل ... ويبقى يصول ويجول ... يأبى الرحيل ... يأبى السقوط ... والموت في كل الساحات ... والدماء في العروق جفت ... ولم تبقى سوى الدموع ... وتلك الصيحات المدوية في الأفق ... ارحل ... ارحل ... ارحل ... التي تأبى أن تهجع أو تنام ....

***
بديع القشاعلة

السبت، 28 مايو 2011

فرحة تلميذ

حكايتي غريبة ... حكاية عجيبة ... كنت في الثامنة من عمري ... في الصف الثالث الابتدائي ... ابي وامي يريدون ان اكون تلميذا جيدا ... لا ادري لماذا ؟؟ فهل يحبون المدرسة ... بصراحة انا لا احبها ... ولكني ولدت والجميع يذهبون اليها وابي وامي يفرحون كثيرا عندما اذهب اليها ... وانا اريد ان ارضيهما ... افرح كثيرا عندما اخبر ابي باني حصلت في الامتحان على علامة عالية ... ارى وجهه يتهلل من السرور وتبتسم امي ابتسامتها العريضة ... هكذا هي حياتي افيق في الصباح واذهب الى الحمام اغتسل ثم اشرع في لبس ملابسي وتصيح امي بي ... هيا بسرعة ... الوقت تأخر ... تقول لي هذا الكلام كل صباح وتصيح غاضبة خوفا من ان اتاخر ... احمل حقيبتي واسير في دربي الى المدرسة ... هذا طبعا بعد الافطار الاجباري وبعد توديع ابي وامي ... وبعد المدرسة ياتي دور الوظائف وهكذا ... يوم بيوم واسبوع يتلو اسبوع ... ممل ... انا اكره المدرسة ... من هذا الذي اوجد المدرسة وبناها ولماذا صنعها ... اما كان من الافضل ان يبني بدلها مدينة ملاهي او بركة سباحة ... هذا كله لا يهم ... بل ما حدث معي هو اهم ... كنت في احد الايام مع ابي وامي واخوتي في رحلة عائلية ... وبينما نحن نلعب ونركض تعثرت قدماي فسقطت على حجر كبير ... فجرحت في كتفي ... كان جرحي عميقا وكبيرا ... هذا ما رايته في ملامح ابي وهو يتفحصي ... لقد ارتعب عندما راى الجرح وكذلك امي ... قال لامي لا بد من المستشفى ... امسك تامي بجرحي واحتضنتني وساق ابي مسرعا الى المستشفى ... لقد ارعبني خوفهم ... في الحقيقة اني في حينها لم اشعر بالام بعد ... ولكني عندما وصلت المستشفى شعرت بالم في كتفي وراسي وعنقي ... لقد خاط الطبيب جرحي واطلقوا سراحي بعد كثير من الفحوصات ... عدت الى البيت ويا للمفاجاة لقد جائوا جميعا ليطمئنوا علي ... كلهم كانوا يقولون لي الحمد لله على سلامتك ... مسكين كيف حدث هذا ... ويمسحون بايديهم على راسي ... كم كنت سعيدا بهذا الامر ... اصدقائي في الحارة تجمعوا من حولي ... جائت نساء الحارة لتطمئن علي ... اشترى لي ابي كل ما اريد ... وكانت امي تبدل ملابسي ... كنت سعيدا جدا ... يا لسعادتي ... وافضل ما في الامر اني معافى من الذهاب الى المدرسة ... كلهم يذهبون اما انا فلا ... فانا مصاب ... جرحي مخاط ... وفي خضم سعادتي هذه تذكرت ابناء صفي ... لقد اشتقت لهم ... لماذا لم يأتون ... لعلهم مشغولون بحل الوظائف ... وسارت الايام ... وشفي جرحي وآن الاوان ن اعود الى المدرسة ... بصراحة اشتقت اليها ... اشتقت الى كل من فيها ... وفي الصباح لبست ملابسي وتهيات للذهاب اليها ... قلت في نفسي سيستقبلوني بسعادة وساحكي لهم حكايتي ... وانتظرت هذه اللحظة ... وجائت معلمة الدين ... كانت متجهمة على غير عادتها ... قلت في نفسي ستسألني عن حكايتي ... وساسردها لها كلها ... وقد شعرت بسعادة كبيرة ... وانتظرت ان تسألني ... ولم تسالني ... توجهت الي دونما ابتسام وقالت لي : اين الوظيفة ؟؟ فقلت لها : أي وظيفة ؟؟ كنت غائبا ... فاستشاطت غضبا وامسكت بمسطرتها وشاحت بها في وجهي وضربتني دونما سؤال ... فسقطت دمعة من عيني وجلست دونما حراك ... وهبطت سكينة على المكان ...
***
بديع القشاعلة

الجمعة، 6 مايو 2011

القوه في البحر ...

انقضوا عليه في ليلةٍ سوداء ... كان نائم مطمئن ... كان يحلم حلماً سعيداً, وقد زاره رجلٌ جميلٌ يلبس لباساً فضفاضاً ابيضاً منيراً ... بشره بالجنه ... قال له آن اوان الجنة ايها المرتحل ...
جمعوا له ... من كل قبيلةٍ رجل ... داهموه وهو يصلي في جوف الليل ... اطلقوا عليه وابلٌ من الرصاص والصواريخ ... اطلقوا عليه كل ما يملكون من نيران ... كانوا خائفين ... يرتجفون ويرتعدون ... فالاسد يرقد في الدار ... تعاونوا عليه وتكاثروا ... فقتلوه وحملوه والقوه في البحر العميق ... حتى لا يفيق ...
ايها الراقد في عمق البحار عليك السلام ... ارقد بسلام حيثما كنت ... حيث الطمئنينة والهدوء ... حيث يستريح الفارس الجميل ... ذو العينين الطفوليتين التي تأبى الا ان تتسرب الى اعماق النفس وتسرح حيثما تشاء ... فلا يضرنك في اي بحرٍ القوك ... لا تجزع ... الحر لا يجزع ولا يخاف اين يموت ومتى يموت ... فمهما فعل الحاقدون ... اتركهم يفعلوا ما يريدون ... فليحرقوا الجسد ... ليمزقوه ... ليقطعوه اشلاء وليذروه مع الرياح ... فالروح لا تموت ولا تنتهي ... بل تبقى الى ابد الآبدين ...
ويحهم ... وويح كل الجبناء ... فقد شُنق عمر المختار من قبل ... شيخ المجاهدين واسد الشيوخ ... يقتلون كل من يكره الظلم ويابى الاهانة والخنوع ... ففي عقيدتهم هم الاعلون ... في عقيدتهم كل الخانعين المستسلمين والمنبطحين هم الرجال الصالحين ... اما الذين يمقتون الظلم ويرفضون الاهانة فهم لا يستحقون الحياة ...
ايها الراقد في مكان بعيد عليك السلام ... ايها المتوسد رمل البحار عليك السلام ... فانت حر الآن ...
***
بديع القشاعلة

  هذا المساء،  حين تعبرُ برودةُ النسماتِ رقيقةً،  تُوقظُ في الصدرِ أشواقاً كانت تنام. وخدُّكِ الورديُّ يتوهّجُ في عتمةِ الوقت،  مغزولاً بضوء...