حدثني احدهم, انه ذهب إلى السوق يوماً, وقال لي, بينما أنا هناك, رأيت في زاويةٍ من زوايا السوق, حيث الحمير والبغال وجموع الناس ... عجوز عابساً متجهماً من الحياة وحماره خلفه ينظر يميناً ويساراً.... وكثيرٌ من الحمير والبغال تقف خلف أصحابها لا تفعل سوى أنها تقف مشدوهة تنظر إلى المارة وهم يروحون ويغدون مطأطئي الرؤوس ... كان العجوز واقفاً يحك بيده قفاه ... يستمع إلى صوت بائع الجزر, وهو يلوح بيديه في الفضاء وكأنه يغرق ويطلب النجدة ... يصيح بلا توقف وصوته يرتفع في وسط ضوضاء السوق: جزر!!! جزر!!! تعالوا على الجزر !!! يا بلاش !!! بس بقروش بتعبي كرشك ... بتسعد نهارك ... جزر!!! جزر!!! يا سلام ... تعال ذوق ببلاش!! هاي!! أنت !! نعم أنت ... يا بركه !!! أشتري ... تعال ... وكان يشير بإصبعه إلى ذاك العجوز ... عندما سمع العجوز هذا النداء ابتسم ورفع يده من قفاه وقام متجهاً إليه وقال له بصوت خافت: بكم الكيلو ... فرد البائع بصوت غليظ: خليك من السعر وتعال ذوق ... خذ هذه الجزرة لك ... حلوة ... خذ ... كل ببلاش ...
فمد العجوز يده المرتعشة إلى الجزرة وأخذها: نعم ... نعم .. شكراً .. اوووواه ... ممممم ... حلوه ... طيبة ... ممممم... وأكمل البائع يقول: ها ... يا بركه ... يا جزر ! يا جزر! تعالوا اشتروا !! ببلاش ... ها ... أعبئ لك هذا الكيس ... فتنحنح العجوز وقال: طيب .. طيب ... بس بكم الكيلو ؟
- بعشرة شواقل يا طيب ... فقط ...
- بعشرة شواقل !!! ايش !! بعدين ... تأخرت سأشتري بعدين .... تأخرت... واختفى العجوز ...
- هاي !! أنت ! أين ذهبت ؟ يالك من وقح .. يالك من لعين.. ادفع حق ما أكلت !! هاي.. هاي.. أين ذهبت أيها الشيطان ؟! اللعنة لقد اختفى ...
..... وراح يصرخ بائع الجزر مرة أخرى ... وصوته الأجش يختلط بصوت باعة اللحم والسمك والخضار والفاكهة والبخور .,. وفي السوق تفوح مختلف الروائح, فتختلط رائحة اللحم والسمك برائحة البخور والعطور وروائح العرق وازدحام الناس, والكل في حركة وجلبة ترى فيهم الفرح والتعيس والساخط والصبور والفائق والنائم ... خليط من البشر يروح ويغدو ويسمع صهيل الخيول ونهيق الحمير وأزيز الزحام ...
***
بديع القشاعلة
***
بديع القشاعلة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق