الاثنين، 10 سبتمبر 2018



ولأنك تبكي بكاءاً مرير
ودمعك يسيل على خدك
كصفحة السماء حين المساء
وقلبك محصور
بين قطرات المطر،
والقمر
والماء
ﻷنك كالطير حين يطير
صوت العصافير
لأنك كنسمة البحر
الموج هائج حين الشتاء
تلامس وجهي ولحيتي
على إستحياء
لأنك هذا وذاك
لأنك غدوت حلماً مساءياً
تعودني وفنجان القهوة في يدي
وقلمي بين اناملي
أخط الحان الحياة
لأنك تبتسم حتى وأنت عابس
وأسنانك البيض الناصعات
تضيء ظلمتي
لأنك أنت أنت
كما شئت
أبعث إليك مني سلام
وكلام
بسمة يملأها الملام
ذلك فقط لأنك
كل هذا وذاك
***
بديع القشاعلة 




تُخاصِمُ الشَّمسَ البَحْر..
وَتُعانِقُ الكَواكِبَ فِي الفَضَاء..
وَيَلْعَقُ لِسَانُ شُعَاعِ الفَجْرِ السَّحَاب،
المُتَنَاثِرَ فِي كُلّ مَكان..
وَتُشَعْشِعُ حُمْرَةُ الخَجَلِ عَلى صُدْغِ السَّمَاء..
فَتَرْتَسِمُ أَيْقُونَةٌ يَخْفِقُ لَها الجِنَان..
فَأُطْرِقُ أُصْغِي لِلَهْفَةٍ،
كَصَلْصَلةِ سَعَفِ النَّخِيلِ فِي الشِّتَاء،
****
                                 بديع القشاعلة 

السبت، 11 أغسطس 2018

فرحة تلميذ (قصة قصيرة)

--------------------------

كنتُ في أحد الأيام مع أبي وأمي وإخوتي في رحلةٍ عائليةٍ، وبينما نحنُ نلعبُ ونركضُ تعثرت قدماي فسقطتُ على حجرٍ كبيرٍ، فجرحتُ كتفي.. كان جرحي عميقًا وكبيرًا.. هذا ما رأيته في ملامح أبي وهو يتفحصني، لقد ارتعب عندما رأى الجرح وكذلك أمي.. قال لأمي لا بد من المستشفى، فأمسكت أمي بجرحي واحتضنتني وساق أبي مسرعًا إلى المستشفى.. لقد أرعبني خوفهم.. وفي الحقيقة، في حينها لم أشعر بالألم بعد، ولكني عندما وصلتُ المستشفى شعرتُ بألمٍ شديدٍ في كتفي ورأسي وعنقي.. وقد خاط الطبيب جرحي وأطلقوا سراحي بعد كثير من الفحوصات.. عدتُ إلى البيت ويا للمفاجأة.. لقد جاءوا جميعا ليطمئنوا عليّ، كلهم كانوا يقولون لي الحمد لله على سلامتك.. مسكين كيف حدث هذا.. ويمسحون بأيديهم على رأسي.. كم كنت سعيداً بهذا الأمر.. أصدقائي في الحارة تجمعوا من حولي.. جاءت نساء الحارة لتطمئن علي، واشترى لي أبي كل ما أريد وكانت أمي تبدل ملابسي.. كنت سعيدًا جدًّا.. يا لسعادتي! وأفضل ما في الأمر أني معفى من الذهاب إلى المدرسة، كلهم يذهبون إليها إلا أنا، فأنا مصاب وجرحي مخيط.. وفي خضمّ سعادتي هذه تذكرت أبناء صفي، لقد اشتقتُ اليهم.. لماذا لم يأتون لزيارتي؟ لعلهم مشغولون بحل الوظائف.. وسارت الأيام، وشفي الجرح وآن أوان العودة إلى المدرسة .. بصراحة اشتقتُ إليها، واشتقتُ إلى كل من فيها.. وفي الصباح لبستُ ملابسي وتهيأتُ للذهاب إليها، و قلتُ في نفسي سيستقبلونني بسعادة وسأحكي لهم حكايتي، وانتظرتُ هذه اللحظة، وجاءت معلمة الدين.. كانت متجهمة على غير عادتها، فقلتُ في نفسي ستسألني عن حكايتي وسأسردها لها كلها، وقد شعرتُ بغبطة وانتظرتُ السؤال.. ولم تسألني.. توجهت إلي دونما ابتسام وقالت لي:
- أين الوظيفة؟ 
فقلت لها:
- أي وظيفة؟.. كنتُ غائبًا..
فاستشاطت غضبًا, وأمسكت بمسطرتها, وأشاحت بها في وجهي.. وضربتني دونما سؤال..
فسقطت دمعةٌ من عيني وجلستُ دونما حراك.. وهبطتْ سكينةٌ على المكان.


***
د. بديع القشاعلة

الثلاثاء، 7 أغسطس 2018




الصفعةُ
(قصة قصيرة)

كنتُ حينَها في الصفّ التّاسع الإعداديّ.. وكانت صفوفنا جميلة.. مصطفّة كَسِرْبٍ من الطيور المهاجرة من الشمال إلى الجنوب.. وكان صفّي في آخر السّرب وكنا نسمع أصوات العصافير وهي تداعب أوراق الشجر، ونشم رائحة التراب المبلول..  وكانت مدرستنا قريبة من المدرسة الابتدائية وصفوف الأوائل..  فكنا نصغي لصوت المعلّمات وصياح الأطفال وهم ينشدون الأحرف الأبجدية.. ألفٌ!  باءٌ!  تاءٌ! ثاءٌ..  وكانت أصوات الأطفال تشكلُ لحنًا جميلًا ومتناسقًا.. يذكرني بصوت الأوركسترا في مسرح «اليكساندرينسكي» في سانت بطرسبورغ..  رغم الفارق الكبير بين الأماكن..  وأذكر في تلك الفترة حين كنّا نخرج كالقطيع متّجهين صوب حنفيّة الماء لنشرب ونستريح من تعب الدرس..  فبين الدرس والدرس كنا نستغل خمس دقائق نشرب الماء فيها ونتنفس الصعداء.. كانت حنفية الماء بعيدة عن الصف ويفصل بيننا وبينها ساحة رملية مليئة بالحصى الصغير..  هذه كانت عادتنا.. وليس لنا من ترفيهٍ سوى هذا الأمر..  وفي يوم من أيام الصيف الحارّة والشمس تكاد تقبل جبين الأرض والحر ّشديد، خرجنا كعادتنا لنشرب ونستريح من ملل الدرس وصخب المعلم..  وبينما نحن على هذا الحال واذا بالطلاب يفرّون فرارَهُمْ من قَسْوَرَة.. هرب الجميعُ كالفئران حينما ترى قطًّا شرسًا شاغرًا فاه..  وأصواتهم تدوّي في الأفق: الأستاذ سمير!  الأستاذ سمير!  كان الأستاذ سمير مناوباً في ذلك اليوم وهو معلم شرسٌ لا يرحم أحدًا..  طويل القامة عريض الكتفين ذو عينين جاحظتين تكثر فيها الشعيرات الدموية.. وأنفه معقوفٌ ورقبته طويلة وتميل إلى الاعوجاج.. ولو رأيته لمُلِئْتَ منه رعباً ولولّيت منه فرارًا..  صوته كان كالرعد ترتجف له الأوصال وتنكمش منه الأحشاء..  وكأنه عزرائيل أو شيطان..  وكنت أنا من بين الطلاب.. وخفتُ كما خافوا وارتعبتُ كما ارتعبوا.. إلا أنّي أبيتُ على نفسي الهرب.. وسرتُ بخطوات عادية متجهًا إلى الصفّ وقد تسارعت دقّات قلبي بشكل لم أعهدُه من قبلُ...  هه!  يا لي من أحمق!  كان لا بُدَّ لي أن أهرب كما هربوا..  ولكني تذكّرت حينما كنت في الصف الرّابع الابتدائي، حينما تعلمنا درس «الصّبيّ وعمر بن الخطّاب» حينما مرّ عمر رضي الله عنه بصبيان يلعبون فهربوا إلّا عبد الله بن الزبير، فقال له عمر: لِمَ لم تفرّ مع أصحابك؟  قال: لم يكن لي جرم فأفرَّ منك، ولا  كان الطريق ضيقًا فأوسّع عليك!  وكنت أظن المعلم سيسألني ذلك السؤال فأجيبه ذلك الجواب.. هه!  أحمق!  وسرت بخطواتي المرتجفة أصارع الهرب حتى دخلت صفي وجلستُ في مكاني.. وبعد لحظات دخل ذلك المعلم وقد انتفخت أوداجُه وتطاير شعره وجحظت عيناه واحمرّ أنفه.. وسار باتجاهي ووقف بجانبي، وكنت أظنه سيكلمني.. فنظرت إليه لأسمع سؤاله، فرفع يده إلى السّماء وهوى بها على وجهي..  وطراخ!!
ودوّت صفعةٌ في أرجاء المكان واهتزت لها أوتار قلبي وانكسر شيء ما في داخلي..  وخرج المعلم من الصف، وبقيت دمعة في مقلتي أصارعها وأكفكفها.. وما زلتُ أسمع أصوات الأطفال ينشدون خلف المعلمة أحرف الهجاء برتابة.. ألفٌ!  باءٌ!  تاءٌ!  ثاءٌ!

***

بديع القشاعلة


الجمعة، 27 يوليو 2018




الحمّام

في أحد الأيام, من أيام سانت بطرس بورغ الصيفية الحارة والرطوبة في كل مكان ورائحة التراب الذي اختلط مع أوراق الشجر يملأ الهواء.. كانت عقارب الساعة تشير إلى الواحدة والنصف من منتصف الليل.. سكون شديد هبط على المكان يقطعه صوت خافت من بعيد لإطارات السيارات وهي تسير مسرعة بين الفينة والفينة في الشارع القريب من المسكن "بليخانافا تري" .. كنت أحاول جاهداً النوم ولكن عبثاً أحاول.. أتقلب في فراشي ذات اليمين وذات الشمال.. النوم يهرب مني ويأبى أن يأتي والنعاس يجافيني.. ماذا سأفعل فكلما حاولت النوم زاد أرقي شدةً, فقررت أن أكتب رسالة لوالديّ .. اعتدلت في فراشي واخذت ورقة وقلم كانتا على طاولة خشبية قديمة قريبة من سريري .. وبدأت أكتب..
أبي وأمي الغاليين أتمنى أن تكونا بصحة وعافية, أما بالنسبة لي فالحمد لله أموري جيدة.. وها أنا أتأقلم مع جو المدينة الرطب وصيفها الرطب الخانق.. أمس اقتنيت "جاكيت" جديد, لونه أحمر.. هذه أول مرة في حياتي ألبس الأحمر.. أحياناً الجو في الليل يكون باردا وماطراً رغم الصيف.. لذلك اضطررت لاقتنائه.. سأكتب لكم شيئاً مضحكاً حدث معي أمس.. كما تعلمون فإن غرفتي صغيرة وليس فيها "دوش" .. بل مرحاض وحوض صغير.. فذهبت إلى المسؤولة كي أخبرها أين يمكن الاستحمام.. فأعطتني رقم هاتف وقالت لي:
-         " عليك أن تتصل وتحجز دور للإستحمام" ..
 لقد ضحكت حينها واستغربت الأمر بشدة .. ولكن لا مفر .. اتصلت في حينها ورد على صوت رجل وقال:
-        " ألو زدرازفوتي" .. بالروسية مرحباً ..
فقلت له:
-        " زدرازفوتي .. يا ختشو زاكازات دوش".. بالعربية يعني أريد أن أحجز حمام أو "دوش" ..
وهكذا دار بيني وبينه حديث وأعطاني موعد وساعة وعنوان .. كان المكان يبعد عن مسكني سيراً على الأقدام عشر دقائق .. فذهبت هناك وأخذت معي لوازم الحمام, الشامبو والليفة ومناشف .. وسار كل شيء بصوره طيبة ولكنها مضحكة.. هه..
هذه هي حكايتي مع أول حمام في سانت بطرس بورغ.. لا أنساها أبداً..
أبي وأمي أدامكم الله وحفظكم ..
وهكذا انتهيت من كتابة الرسالة لوالديّ .. حينها شعرت بثقل جفنيّ ومداعبة النعاس .. فارتخيت في فراشي وغططت في نوم عميق..

***
بديع القشاعلة

الأحد، 22 يوليو 2018


غربة 


--------------------------

كانت عقارب الساعة تقارب الثامنة مساءاً.. وفي غرفة صغيرة ضيقة بيضاء اللون فيها سريران وطاولة خشبية بنية قديمة وكرسي قديم بصعوبة يقف... ورائحة الأرضية الخشبية تملأ الهواء .. فلم أكن متعوداً على الأرضيات الخشبية وهذا أمر غريب عليّ .. ورائحة الخشب قوية وقد ملأت أنفي ودماغي ... كانت الغرفة مضاءة بضوء خافت معلق في وسط سقفها .. ولها شباكين اثنين كبيرين غريبين مرتفعين للأعلى ولهما طبقتين من زجاج.. في الطبقة الداخلية ظلفة صغيرة تفتح من فوق .. وعلى كل شباك ستار جميل.. قد يكون هذا الشيء الجميل الوحيد في هذه الغرفة.. وعلى الحائط معلق لوح خشبي بني اللون أيضاً يستخدم كرف, ليس عليه سوى علبة ورقية مربعة فارغة.. وعند دخول الغرفة يلاقيك باب على جهة اليمين لمرحاض صغير وضيق.. فيه حوض صغير أيضاً ومرآة .. وليس فيه "دوش" .
هذه كانت غرفتي حينما وصلت إلى مدينة سانت بطرس بورغ.. كانت تقع في مسكن الطلبة القريب من جامعة "غرتسينا", جامعة تربوية على اسم العالم والمفكر "غيرتسينا", حيث كنت أدرس اللغة الروسية.. ويقع المبنى كله على أجمل شارع في سانت بطرس بورغ, شارع "النيفسكي" حيث الأضواء والناس والسيارات المكتظة.. أطول شارع مستقيم في المدينة.. مليء بالبشر وعلى الجانبين تمتد المحلات التجارية وكل شيء هناك مكتوب بالروسية .. كل شيء بالروسية ولم تكن يافطة واحدة على الأقل مكتوبة بالإنجليزية .
وبجانب المبنى الذي أقطن فيه وكان يسمى "بليخانوفا تري" كانت أجمل الكنائس وأضخمها وأقدمها.. كنيسة كبيرة جداً ومرتفعة وتحيطها الأعمدة الحجرية المرتفعة في عنان السماء على شكل دائري عجيب .. وفي وسط هذه الأعمدة تقبع الكنيسة بقبتها الزرقاء العالية, كانت هذه كنيسة "كازانسكي سابور" وهي مقاربة جداً لمسكن الطلبة حيث كنت أقطن .
رائحة المكان غريبة وكأنها رائحة الغربة .. رائحة الرطوبة في المكان مع رائحة الجدران والأرضية الخشبية المرصوفة اختلطت فكونت رائحة كأنها رائحة الحياة هناك.. روائح عديدة اختلطت وتشكلت فأصبحت رائحة تتغلغل إلى أعماق الأنف فتترك أثراً طويل المدى .. لم أعهدها من قبل فأنا بدوي تعودت أن أعيش في فضاء الصحراء أحتضن الهواء الطلق ورائحة العشب والتراب والكثبان.. وسماري يعشق لهيب حر الصحراء.. وها أنا في مدينة تقع قريبة من القطب.. حيث الدول الإسكندنافية شمال روسيا, كانت تدعى لينينغراد سابقاً واليوم أعيد لها اسمها القديم سانت بطرس بورغ وهي كلمة ألمانية على ما أعتقد معناها قلعة بطرس.
.. كان الجو جميلاً ومدينة سانت بطرس بورغ بهية بجمالها ولها رونق خاص فلمحات المدينة الجميلة تبقى في الذاكرة وقتاً طويلاً جداً أو أكاد أقول مدى الحياة.. كان الجو مشمساً وصيف سانت بطرس بورغ صيف خفيف الظل وحرارة الشمس فيه ليست كمثل حرارة الشمس في بلادي.. فأشعة الشمس تلاطف الوجوه وتعانق الرموش وتشعرك بشعور رائع..
وبدأت الذكريات تعلو في رأسي وأنا أبتسم وأحدث نفسي .. أذكر أول يوم لي وأول صباح لي في هذه المدينة.. حينما خرجت للمرة الأولى من باب مسكن الطلبة الذي كنت أقطن فيه.. باب لم أعهد مثله باباً من قبل.. خشبي قديم جداً أكاد أجزم أنه من العصور الوسطى.. مرتفع جداً وكأنه صنع لأشخاص عمالقة وقاماتهم طويلة جداً .. طبعاً لم يصنع لمثلي هه! .. يرتفع الباب إلى أن يصل أكثر من مترين ونصف وعرضه كذلك كبير وله ظلفتين تفتح واحدة فقط ومن الداخل باب آخر وله أيضا ظلفتين, تفتح واحدة فقط.. فإذا أراد الشخص الدخول عليه أن يمر من بابين يفصل بينهما نصف متر من الفراغ.. كم أذكر تلك اللحظات التي بدأتُ أتحسس من خلالها ثقافة شعب آخر ودنيا أخرى بكل ما تحمله من معاني .. رائحة الخشب في أنفي لا تزال ورائحة الطقس والرطوبة والتراب.. حتى أشعة الشمس وكأنها الآن تنكسر على خدي .. يومها خرجت أنظر إلى آفاق المدينة , شوارعها الواسعة والناس يسيرون من حولي بأعداد غفيرة رجال, نساء , أطفال يسيرون في خطوط مستقيمة.. كانت أشكالهم متشابهة, وهم يختلفون في أحجامهم فمنهم الطويل الفارع ومنهم القصير ومنهم النحيف والسمين.. وقد لاحظت شيئاً لم أتوقعه ولم يكن في بلادي .. لاحظتُ أن الناس لا يلتفتون حولهم ولا ينظرون إلى غيرهم.. توقعت أن ينظر الناس إليّ فيتساءلون: من هذا ؟ ومن أي كوكب هذا ؟ فأنا أختلف عنهم في اللون والبشرة والهيئة, ظننتُ أني سأكون "فرجة" ... تماماً كما هو الحال في بلادي .. حينما يمر شخص غريب ترمقه الأبصار من كل صوب فلا تتركه في حاله, نقد وتمتمة وهكذا .. كم أدهشني هذا الأمر وكم أعجبني ..شعرت حينها أني حرٌ طليقٌ أفعل ما أشاء فلا ينتقدني أحد.. أمشي كما أشاء وأتحرك كما أشاء حتى لو أردت أن أقفز سأقفز, فلن يرمقني أحد بنظراته الحادة وينتقدني أو يتمتم بكلمات لاذعة... الناس في مدينة سانت بطرس بورغ مشغولين بحياتهم وأحوالهم ولا يعنيهم ما أفعل.. طبعاً أنا على عكسهم فقد جعلت أنظر إلى كل من يمر بقربي فأرسمه في خيالي وأنتقده بما أحمل من ثقافة وعادات وتقاليد.. صعب عل أن أكون مثلهم.. لا أستطيع, وكيف لي ذلك وأنا عربي بدوي تشربت واقعي وثقافتي .. فجعلتُ أنظر إلى المارة ولا زلت أذكر أشكالهم ومشيتهم وحركاتهم إلى يومي هذا.
كنت أتجول في الشارع وقد أخذتني هيبة المكان وتلك البنايات المرصوفة على طول شارع "النيفسكي بروسبيكت", بنايات تشكلت فأصبحت غاية في الجمال وقد أبدع مهندسوها في رسمها وتخطيطها.. مرصوصة بشكل عجيب وغريب ولكل مبنى شكله الخاص ونقشته الخاصة كتحفة فنية في متحف, ولكل بناية لون من ألوان الطبيعة, شيء مذهل.. أخذت أحدق مشدوهاً في تلك الإبداعات ولم أفق من ذهولي إلا على صوت يقول لي بالروسية كلمات لا أفهمها: "تي شتو؟ أتكروي غلازا " طبعاً كان الصوت بنبرة غاضبة وعنيفة فقد صدمني بقوة دون أن أراه.. كان رجلاً في العقد الرابع من عمره, طويل القامة عريض المنكبين أحمر البشرة وشعره قصير ناعم ويميل إلى الصفار.. حدثني وهو يعقد حاجبيه ويكمش جبينه وقد ازداد وجهه إحمراراً.. عرفت حينها أنه يقول لي "هاي! افتح عينيك ", فبعد أن تعلمت اللغة الروسية علمت أن ما اعتقدته كان صحيحاً.
قصتي مع اللغة الروسية فيها لقطات فكاهية أذكرها حتى يومي هذا.. لقد وصلت إلى مدينة سانت بطرس بورغ وأنا لا أعلم من اللغة الروسية شيئاً وكنت أتحدث اللغة الانجليزية بمستوى ضعيف أيضاً, ولكن يمكنني أن أتدبر أمري.. وفي أحد الأيام سألتُ صديق لي في المسكن يعلم بعض الكلمات الروسية البسيطة.. قلت عسى أن أخرج لأشتري شيئاً.. فقلت له ماذا أقول إن أردت أن أشتري خبزاً ؟ فقال:
- قل "باتون"
فنظرت إلية بدهشة وقلت:
- "باتون" ! وما معنى هذه الكلمة ؟
فقال وهو يحرك حاجبيه ويبتسم:
- ممم .. معناها خبز .. تذهب إلى البقالة وتقف أمام البائعة فتقول لها " دفا باتونا" ..
سألته مستطردأ ..
- باتون خبز, ولكن ما هي الكلمة الثانية؟
فأجاب وهو لا يزال يبتسم ابتسامة الشخص المتمكن :
- "دفا" يعني اثنان .. "دفا باتونا" .. رغيفين خبز ..
أراد طبعاً أن أشتري رغيفين ليكون عندي كفاية يومي من الخبز..
وفعلاً تدربت على هذه الكلمات وذهبت إلى البقالة القريبة.. كانت البقالات تعمل بنظام بسيط .. فكل ما عليك هو أن تقف في الطابور حتى تصل إلى البائعة التي ترتدي ملابس بيضاء تماماً كلباس الأطباء وتضع على رأسها غطاء أبيض.. تشعر حينها أنك تتحدث مع ممرضة.. حينما تصل إلى البائعة تقول لها ما تريد .. وأنا في طريقي إلى البقالة أخذت أردد تلك الكلمات كي لا أنساها أو أقول كلمات أخرى غير مفهومة فأحرج أمام الناس.. وأنا شخص حساس جداً لا أحب الإحراجات.. فأخذت أردد: "دفا باتونا".. "دفا باتونا" .."دفا باتونا"..
ووصلت إلى البقالة ووجدتُ طابوراً أمامي فوقفت في ذلك الطابور أنتظر دوري.. كان في الطابور نساء مسنات يقفن ويتحدثن باللغة الروسية وأنا لا أفهم ما يتحدثن عنه إلا أني كنت مصغياً محاولاً استيعاب لهجتهن الغريبة تلك المليئة بالحروف والألفاظ الغريبة.. طبعاً كنت أبتسم حينما كانت تنظر إليّ إحداهن وكأنها تحدثني وتظنني أفهم ما تقول.. فكانت تتحدث إليّ بشغف وكأنها تخبرني عن حالها وكانت تحرك حاجبيها ورأسها بحركات عجيبة وبين الحين والآخر تشير بيدها إلى جهة لا أدري ما هي ولكني اعتقد أنها كانت تشير إلى مكان ما حدث فيه أمر ما مهم بالنسبة لها.. وكل ما أفعله هو أن أبتسم وأهز برأسي أحياناً .. وقلت في نفسي "لعلها تظنني أبكم لا أتكلم.. " كم كان هذا محرجاً وقد تمنيت أن ينتهي الطابور فأصل دوري وتذهب تلك المرأة البسيطة في حال سبيلها.. وما أن وصلت إلى البائعة التي نظرت إليّ بتعابير باردة جداً وحدثتني بسرعة باللغة الروسية فلم أدري ما قالت.. ولكني سرعان ما قلت لها:
- "دفا باتونا"
فهزت برأسها وسارت إلى الرفوف الخلفية وأخذت رغيفين وأعطتني إياها .. فأخرجت لها ما في جيبه من روبلات فنظرت إليها وأخذت منها ورقتين وتحدثت بكلمات لم أدركها.. ولكني اعتقد أنها قالت "التالي" .
واصلت سيري في شارع "النيفسكي" وأنا مستمتع بما أراه من مباني ضخمة ومرتفعة.. ولأول مرة في حياته أرى كنائس ودور عبادة للمسيحيين.. بنايات ضخمة جداً وجميلة من حيث الشكل.. لقد أبدع الروس في بناء الكنائس وفي زخرفتها كما واهتموا بالرسومات الدينية كرسومات ما يدعونه بأنه المسيح وهو مصلوب على الصليب.. في كل زاوية من زوايا الكنيسة تجد مثل هذه الصور والرسومات ورسومات أخرى لأشخاص فوق رؤوسهم هالة ما .. كذلك رسومات لامرأة تحمل طفلها, وهم يشيرون بذلك إلى مريم عليها السلام. وفجأة علت أصوات أجراس .. أجراس الكنائس .. وكانت هذه أول مرة أسمع فيها هذا الصوت ...
***
بديع القشاعلة 


أنا والجريدة
حين كنت أتمشى في شارع  "بليخانافا تري" لفت انتباهي مبنى جميل ذو قبة برونزية رائعة مرتفعة تحملها أعمدة نحتت من الأحجار لا أدري أهي رخامية؟ أم صنعت من الحجر الصلب.. كثير من الأعمدة التي اصطفت على شكل نصف دائرة كأنها أذرع تمتد لتحضنك. كانت هذه كنيسة "الكازانسكي سابور" وهي من الكنائس الضخمة والمرتفعة في المدينة. جعلت أنظر إليها بتعجب وأنا منبهر بإبداع الناس وقدرة الخالق سبحانه الذي أعطى الإنسان هذه القدرة العجيبة وتذكرت قول الله تعالي: " وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا".
وبينما أنا على هذا الحال توجه إليّ شخص معه كاميرا.. جاءني مبتسماً وهو يتمتم بكلمات لم أفهمها, وكأنه كان يطلبني شيئاً.. ولأول مره أسمع أحداً يتكلم الإنجليزية.. قال لي: "بليز" .. ومد إليّ الكاميرا وهو لا يزال مبتسماً وقد ازدادت إبتسامته اتساعا وضحك ضحكة عجيبة هئ.. هئ .. وكانت معه على ما يبدو زوجته وهم ليسوا من الشعب الروسي فأشكالهم توحي بأنهم من بلاد الصين. الصراحة أنا لا أدري أهم من الصين أم اليابان أم من كوريا .. هم يحتاجون إلى متخصص في هذا المجال كي يعرف الفرق بينهم .. قال لي "بليز".. "بليز" هئ.. هئ .. وهو يمد إلي الكاميرا ويشير إلى نفسه وزوجته .. طبعاً فهمت أنه يريدني أن ألتقط له صوره برفقة زوجته.. فأخذت منه الكاميرا وابتسمت له وهززت رأسي بالموافقة وبصورة عفوية بدأت أهز رأسي كما يفعلون هم .. كانت كاميرا جميلة أول مره أرى مثلها .. فقال لي بكلمات انجليزية قليلة وكثير من الإشارات "أين أضغط كي أصور؟" .. ففهمته وأشرت إلى زر في الجهة العلوية للكاميرا. وقف الصيني وزوجته وخلفهما الكنيسة وقد ارتسمت ابتسامة تمثيلية على وجوههما.. والتقطت لهما صورة جميلة .
أكملت طريقي حتى وصلت إلى شارع "النيفسكي براسبيكت" وهناك رأيت جموع من الناس وزحام شديد فقلت في نفسي سأذهب لأرى ما يدور هناك .. وأتفرج مع المتفرجين .. وحينما وصلت رأيت الناس يعبرون من خلال بوابة زجاجية إلى داخل مبنى كبير عرفت أنه مبنى "مترو نيفسكي براسبيكت" وهو القطار الذي يعبر من تحت المدينة .. عجيب جداً ورائع هذا الاختراع قطار يسير تحت الأرض ممم .. فيقطع الأنهار والبيوت ويصل إلى إي مكان تريده في المدينة بوقت قصير.. كم عجيب أنت أيها الإنسان .. أردت الدخول ولكن المدخل إلى الدرج الكهربائي الذي سينزل بي إلى تحت الأرض فيوصلني إلى محطة القطار كان مغلقاً ولا أستطيع الدخول إلا "بجيتون" .. "الجيتون" هو قطعة معدنية تدخلها في فتحة مخصصة في المدخل فيفتح لك .. طبعاً تغير "الجيتون" اليوم إلى بطاقات إلكترونية .
اشتريت "جيتون" ودخلت. كان الدرج الكهربائي من الأشياء العجيبة التي رأيتها في حياتي.. على الأقل حينها ..
ما لاحظته خلال نزولي على الدرج الكهربائي.. طبعاً غير تلك الصور الجميلة المعلقة على الجدران والألوان الزاهية وصوت فتاة جميل يدوي في جوف المكان.. صوت مذياع ودعايات.. رأيت أمراً في غاية الروعة .. رأيت أن الناس جميعاً.. رجالاً, نساءاً , شباباً كلهم يقرؤون .. كل شخص يحمل بين كفيه كتاب ويقرأه .. إلا أنا لا أحمل شيئاً .. فقلت في نفسي "أكاد أجزم أنني الوحيد في المترو الذي لا يحمل كتاباً يقرأه.." بصراحة شديدة شعرت بالإحراج وأصدقكم القول فإن الشخص الوحيد الذي كان يلتفت بنظره يميناً ويساراً وإلى الناس كان أنا.. فلا أدري ماذا أفعل ؟ وفجأة رأيت شاباً يقف في أخر الدرج الكهربائي ويحمل كوماً من الصحف في يده اليسرى ويمد بيده اليمنى الصحيفة لمن يريد.. فقلت في نفسي لقد جاء الفرج.. وأخذت واحدة وانضممت إلى جموع القارئين .. ولا يزال صوت تلك الفتاة يدوي في أذني..
****
بديع القشاعلة 


  هذا المساء،  حين تعبرُ برودةُ النسماتِ رقيقةً،  تُوقظُ في الصدرِ أشواقاً كانت تنام. وخدُّكِ الورديُّ يتوهّجُ في عتمةِ الوقت،  مغزولاً بضوء...