الأحد، 22 يوليو 2018


غربة 


--------------------------

كانت عقارب الساعة تقارب الثامنة مساءاً.. وفي غرفة صغيرة ضيقة بيضاء اللون فيها سريران وطاولة خشبية بنية قديمة وكرسي قديم بصعوبة يقف... ورائحة الأرضية الخشبية تملأ الهواء .. فلم أكن متعوداً على الأرضيات الخشبية وهذا أمر غريب عليّ .. ورائحة الخشب قوية وقد ملأت أنفي ودماغي ... كانت الغرفة مضاءة بضوء خافت معلق في وسط سقفها .. ولها شباكين اثنين كبيرين غريبين مرتفعين للأعلى ولهما طبقتين من زجاج.. في الطبقة الداخلية ظلفة صغيرة تفتح من فوق .. وعلى كل شباك ستار جميل.. قد يكون هذا الشيء الجميل الوحيد في هذه الغرفة.. وعلى الحائط معلق لوح خشبي بني اللون أيضاً يستخدم كرف, ليس عليه سوى علبة ورقية مربعة فارغة.. وعند دخول الغرفة يلاقيك باب على جهة اليمين لمرحاض صغير وضيق.. فيه حوض صغير أيضاً ومرآة .. وليس فيه "دوش" .
هذه كانت غرفتي حينما وصلت إلى مدينة سانت بطرس بورغ.. كانت تقع في مسكن الطلبة القريب من جامعة "غرتسينا", جامعة تربوية على اسم العالم والمفكر "غيرتسينا", حيث كنت أدرس اللغة الروسية.. ويقع المبنى كله على أجمل شارع في سانت بطرس بورغ, شارع "النيفسكي" حيث الأضواء والناس والسيارات المكتظة.. أطول شارع مستقيم في المدينة.. مليء بالبشر وعلى الجانبين تمتد المحلات التجارية وكل شيء هناك مكتوب بالروسية .. كل شيء بالروسية ولم تكن يافطة واحدة على الأقل مكتوبة بالإنجليزية .
وبجانب المبنى الذي أقطن فيه وكان يسمى "بليخانوفا تري" كانت أجمل الكنائس وأضخمها وأقدمها.. كنيسة كبيرة جداً ومرتفعة وتحيطها الأعمدة الحجرية المرتفعة في عنان السماء على شكل دائري عجيب .. وفي وسط هذه الأعمدة تقبع الكنيسة بقبتها الزرقاء العالية, كانت هذه كنيسة "كازانسكي سابور" وهي مقاربة جداً لمسكن الطلبة حيث كنت أقطن .
رائحة المكان غريبة وكأنها رائحة الغربة .. رائحة الرطوبة في المكان مع رائحة الجدران والأرضية الخشبية المرصوفة اختلطت فكونت رائحة كأنها رائحة الحياة هناك.. روائح عديدة اختلطت وتشكلت فأصبحت رائحة تتغلغل إلى أعماق الأنف فتترك أثراً طويل المدى .. لم أعهدها من قبل فأنا بدوي تعودت أن أعيش في فضاء الصحراء أحتضن الهواء الطلق ورائحة العشب والتراب والكثبان.. وسماري يعشق لهيب حر الصحراء.. وها أنا في مدينة تقع قريبة من القطب.. حيث الدول الإسكندنافية شمال روسيا, كانت تدعى لينينغراد سابقاً واليوم أعيد لها اسمها القديم سانت بطرس بورغ وهي كلمة ألمانية على ما أعتقد معناها قلعة بطرس.
.. كان الجو جميلاً ومدينة سانت بطرس بورغ بهية بجمالها ولها رونق خاص فلمحات المدينة الجميلة تبقى في الذاكرة وقتاً طويلاً جداً أو أكاد أقول مدى الحياة.. كان الجو مشمساً وصيف سانت بطرس بورغ صيف خفيف الظل وحرارة الشمس فيه ليست كمثل حرارة الشمس في بلادي.. فأشعة الشمس تلاطف الوجوه وتعانق الرموش وتشعرك بشعور رائع..
وبدأت الذكريات تعلو في رأسي وأنا أبتسم وأحدث نفسي .. أذكر أول يوم لي وأول صباح لي في هذه المدينة.. حينما خرجت للمرة الأولى من باب مسكن الطلبة الذي كنت أقطن فيه.. باب لم أعهد مثله باباً من قبل.. خشبي قديم جداً أكاد أجزم أنه من العصور الوسطى.. مرتفع جداً وكأنه صنع لأشخاص عمالقة وقاماتهم طويلة جداً .. طبعاً لم يصنع لمثلي هه! .. يرتفع الباب إلى أن يصل أكثر من مترين ونصف وعرضه كذلك كبير وله ظلفتين تفتح واحدة فقط ومن الداخل باب آخر وله أيضا ظلفتين, تفتح واحدة فقط.. فإذا أراد الشخص الدخول عليه أن يمر من بابين يفصل بينهما نصف متر من الفراغ.. كم أذكر تلك اللحظات التي بدأتُ أتحسس من خلالها ثقافة شعب آخر ودنيا أخرى بكل ما تحمله من معاني .. رائحة الخشب في أنفي لا تزال ورائحة الطقس والرطوبة والتراب.. حتى أشعة الشمس وكأنها الآن تنكسر على خدي .. يومها خرجت أنظر إلى آفاق المدينة , شوارعها الواسعة والناس يسيرون من حولي بأعداد غفيرة رجال, نساء , أطفال يسيرون في خطوط مستقيمة.. كانت أشكالهم متشابهة, وهم يختلفون في أحجامهم فمنهم الطويل الفارع ومنهم القصير ومنهم النحيف والسمين.. وقد لاحظت شيئاً لم أتوقعه ولم يكن في بلادي .. لاحظتُ أن الناس لا يلتفتون حولهم ولا ينظرون إلى غيرهم.. توقعت أن ينظر الناس إليّ فيتساءلون: من هذا ؟ ومن أي كوكب هذا ؟ فأنا أختلف عنهم في اللون والبشرة والهيئة, ظننتُ أني سأكون "فرجة" ... تماماً كما هو الحال في بلادي .. حينما يمر شخص غريب ترمقه الأبصار من كل صوب فلا تتركه في حاله, نقد وتمتمة وهكذا .. كم أدهشني هذا الأمر وكم أعجبني ..شعرت حينها أني حرٌ طليقٌ أفعل ما أشاء فلا ينتقدني أحد.. أمشي كما أشاء وأتحرك كما أشاء حتى لو أردت أن أقفز سأقفز, فلن يرمقني أحد بنظراته الحادة وينتقدني أو يتمتم بكلمات لاذعة... الناس في مدينة سانت بطرس بورغ مشغولين بحياتهم وأحوالهم ولا يعنيهم ما أفعل.. طبعاً أنا على عكسهم فقد جعلت أنظر إلى كل من يمر بقربي فأرسمه في خيالي وأنتقده بما أحمل من ثقافة وعادات وتقاليد.. صعب عل أن أكون مثلهم.. لا أستطيع, وكيف لي ذلك وأنا عربي بدوي تشربت واقعي وثقافتي .. فجعلتُ أنظر إلى المارة ولا زلت أذكر أشكالهم ومشيتهم وحركاتهم إلى يومي هذا.
كنت أتجول في الشارع وقد أخذتني هيبة المكان وتلك البنايات المرصوفة على طول شارع "النيفسكي بروسبيكت", بنايات تشكلت فأصبحت غاية في الجمال وقد أبدع مهندسوها في رسمها وتخطيطها.. مرصوصة بشكل عجيب وغريب ولكل مبنى شكله الخاص ونقشته الخاصة كتحفة فنية في متحف, ولكل بناية لون من ألوان الطبيعة, شيء مذهل.. أخذت أحدق مشدوهاً في تلك الإبداعات ولم أفق من ذهولي إلا على صوت يقول لي بالروسية كلمات لا أفهمها: "تي شتو؟ أتكروي غلازا " طبعاً كان الصوت بنبرة غاضبة وعنيفة فقد صدمني بقوة دون أن أراه.. كان رجلاً في العقد الرابع من عمره, طويل القامة عريض المنكبين أحمر البشرة وشعره قصير ناعم ويميل إلى الصفار.. حدثني وهو يعقد حاجبيه ويكمش جبينه وقد ازداد وجهه إحمراراً.. عرفت حينها أنه يقول لي "هاي! افتح عينيك ", فبعد أن تعلمت اللغة الروسية علمت أن ما اعتقدته كان صحيحاً.
قصتي مع اللغة الروسية فيها لقطات فكاهية أذكرها حتى يومي هذا.. لقد وصلت إلى مدينة سانت بطرس بورغ وأنا لا أعلم من اللغة الروسية شيئاً وكنت أتحدث اللغة الانجليزية بمستوى ضعيف أيضاً, ولكن يمكنني أن أتدبر أمري.. وفي أحد الأيام سألتُ صديق لي في المسكن يعلم بعض الكلمات الروسية البسيطة.. قلت عسى أن أخرج لأشتري شيئاً.. فقلت له ماذا أقول إن أردت أن أشتري خبزاً ؟ فقال:
- قل "باتون"
فنظرت إلية بدهشة وقلت:
- "باتون" ! وما معنى هذه الكلمة ؟
فقال وهو يحرك حاجبيه ويبتسم:
- ممم .. معناها خبز .. تذهب إلى البقالة وتقف أمام البائعة فتقول لها " دفا باتونا" ..
سألته مستطردأ ..
- باتون خبز, ولكن ما هي الكلمة الثانية؟
فأجاب وهو لا يزال يبتسم ابتسامة الشخص المتمكن :
- "دفا" يعني اثنان .. "دفا باتونا" .. رغيفين خبز ..
أراد طبعاً أن أشتري رغيفين ليكون عندي كفاية يومي من الخبز..
وفعلاً تدربت على هذه الكلمات وذهبت إلى البقالة القريبة.. كانت البقالات تعمل بنظام بسيط .. فكل ما عليك هو أن تقف في الطابور حتى تصل إلى البائعة التي ترتدي ملابس بيضاء تماماً كلباس الأطباء وتضع على رأسها غطاء أبيض.. تشعر حينها أنك تتحدث مع ممرضة.. حينما تصل إلى البائعة تقول لها ما تريد .. وأنا في طريقي إلى البقالة أخذت أردد تلك الكلمات كي لا أنساها أو أقول كلمات أخرى غير مفهومة فأحرج أمام الناس.. وأنا شخص حساس جداً لا أحب الإحراجات.. فأخذت أردد: "دفا باتونا".. "دفا باتونا" .."دفا باتونا"..
ووصلت إلى البقالة ووجدتُ طابوراً أمامي فوقفت في ذلك الطابور أنتظر دوري.. كان في الطابور نساء مسنات يقفن ويتحدثن باللغة الروسية وأنا لا أفهم ما يتحدثن عنه إلا أني كنت مصغياً محاولاً استيعاب لهجتهن الغريبة تلك المليئة بالحروف والألفاظ الغريبة.. طبعاً كنت أبتسم حينما كانت تنظر إليّ إحداهن وكأنها تحدثني وتظنني أفهم ما تقول.. فكانت تتحدث إليّ بشغف وكأنها تخبرني عن حالها وكانت تحرك حاجبيها ورأسها بحركات عجيبة وبين الحين والآخر تشير بيدها إلى جهة لا أدري ما هي ولكني اعتقد أنها كانت تشير إلى مكان ما حدث فيه أمر ما مهم بالنسبة لها.. وكل ما أفعله هو أن أبتسم وأهز برأسي أحياناً .. وقلت في نفسي "لعلها تظنني أبكم لا أتكلم.. " كم كان هذا محرجاً وقد تمنيت أن ينتهي الطابور فأصل دوري وتذهب تلك المرأة البسيطة في حال سبيلها.. وما أن وصلت إلى البائعة التي نظرت إليّ بتعابير باردة جداً وحدثتني بسرعة باللغة الروسية فلم أدري ما قالت.. ولكني سرعان ما قلت لها:
- "دفا باتونا"
فهزت برأسها وسارت إلى الرفوف الخلفية وأخذت رغيفين وأعطتني إياها .. فأخرجت لها ما في جيبه من روبلات فنظرت إليها وأخذت منها ورقتين وتحدثت بكلمات لم أدركها.. ولكني اعتقد أنها قالت "التالي" .
واصلت سيري في شارع "النيفسكي" وأنا مستمتع بما أراه من مباني ضخمة ومرتفعة.. ولأول مرة في حياته أرى كنائس ودور عبادة للمسيحيين.. بنايات ضخمة جداً وجميلة من حيث الشكل.. لقد أبدع الروس في بناء الكنائس وفي زخرفتها كما واهتموا بالرسومات الدينية كرسومات ما يدعونه بأنه المسيح وهو مصلوب على الصليب.. في كل زاوية من زوايا الكنيسة تجد مثل هذه الصور والرسومات ورسومات أخرى لأشخاص فوق رؤوسهم هالة ما .. كذلك رسومات لامرأة تحمل طفلها, وهم يشيرون بذلك إلى مريم عليها السلام. وفجأة علت أصوات أجراس .. أجراس الكنائس .. وكانت هذه أول مرة أسمع فيها هذا الصوت ...
***
بديع القشاعلة 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

  لماذا حين ارسم عينيك بقلم الرصاص لا أجد الممحاة لأمسح الدموع  من عينيك *** بديع القشاعلة