أنا والجريدة
حين كنت أتمشى
في شارع "بليخانافا تري" لفت
انتباهي مبنى جميل ذو قبة برونزية رائعة مرتفعة تحملها أعمدة نحتت من الأحجار لا
أدري أهي رخامية؟ أم صنعت من الحجر الصلب.. كثير من الأعمدة التي اصطفت على شكل
نصف دائرة كأنها أذرع تمتد لتحضنك. كانت هذه كنيسة "الكازانسكي سابور"
وهي من الكنائس الضخمة والمرتفعة في المدينة. جعلت أنظر إليها بتعجب وأنا منبهر بإبداع
الناس وقدرة الخالق سبحانه الذي أعطى الإنسان هذه القدرة العجيبة وتذكرت قول الله
تعالي: " وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا".
وبينما أنا
على هذا الحال توجه إليّ شخص معه كاميرا.. جاءني مبتسماً وهو يتمتم بكلمات لم أفهمها,
وكأنه كان يطلبني شيئاً.. ولأول مره أسمع أحداً يتكلم الإنجليزية.. قال لي: "بليز"
.. ومد إليّ الكاميرا وهو لا يزال مبتسماً وقد ازدادت إبتسامته اتساعا وضحك ضحكة
عجيبة هئ.. هئ .. وكانت معه على ما يبدو زوجته وهم ليسوا من الشعب الروسي فأشكالهم
توحي بأنهم من بلاد الصين. الصراحة أنا لا أدري أهم من الصين أم اليابان أم من
كوريا .. هم يحتاجون إلى متخصص في هذا المجال كي يعرف الفرق بينهم .. قال لي
"بليز".. "بليز" هئ.. هئ .. وهو يمد إلي الكاميرا ويشير إلى
نفسه وزوجته .. طبعاً فهمت أنه يريدني أن ألتقط له صوره برفقة زوجته.. فأخذت منه
الكاميرا وابتسمت له وهززت رأسي بالموافقة وبصورة عفوية بدأت أهز رأسي كما يفعلون
هم .. كانت كاميرا جميلة أول مره أرى مثلها .. فقال لي بكلمات انجليزية قليلة
وكثير من الإشارات "أين أضغط كي أصور؟" .. ففهمته وأشرت إلى زر في الجهة
العلوية للكاميرا. وقف الصيني وزوجته وخلفهما الكنيسة وقد ارتسمت ابتسامة تمثيلية
على وجوههما.. والتقطت لهما صورة جميلة .
أكملت طريقي
حتى وصلت إلى شارع "النيفسكي براسبيكت" وهناك رأيت جموع من الناس وزحام
شديد فقلت في نفسي سأذهب لأرى ما يدور هناك .. وأتفرج مع المتفرجين .. وحينما وصلت
رأيت الناس يعبرون من خلال بوابة زجاجية إلى داخل مبنى كبير عرفت أنه مبنى
"مترو نيفسكي براسبيكت" وهو القطار الذي يعبر من تحت المدينة .. عجيب
جداً ورائع هذا الاختراع قطار يسير تحت الأرض ممم .. فيقطع الأنهار والبيوت ويصل
إلى إي مكان تريده في المدينة بوقت قصير.. كم عجيب أنت أيها الإنسان .. أردت
الدخول ولكن المدخل إلى الدرج الكهربائي الذي سينزل بي إلى تحت الأرض فيوصلني إلى
محطة القطار كان مغلقاً ولا أستطيع الدخول إلا "بجيتون" ..
"الجيتون" هو قطعة معدنية تدخلها في فتحة مخصصة في المدخل فيفتح لك ..
طبعاً تغير "الجيتون" اليوم إلى بطاقات إلكترونية .
اشتريت
"جيتون" ودخلت. كان الدرج الكهربائي من الأشياء العجيبة التي رأيتها في
حياتي.. على الأقل حينها ..
ما لاحظته
خلال نزولي على الدرج الكهربائي.. طبعاً غير تلك الصور الجميلة المعلقة على
الجدران والألوان الزاهية وصوت فتاة جميل يدوي في جوف المكان.. صوت مذياع
ودعايات.. رأيت أمراً في غاية الروعة .. رأيت أن الناس جميعاً.. رجالاً, نساءاً ,
شباباً كلهم يقرؤون .. كل شخص يحمل بين كفيه كتاب ويقرأه .. إلا أنا لا أحمل شيئاً
.. فقلت في نفسي "أكاد أجزم أنني الوحيد في المترو الذي لا يحمل كتاباً
يقرأه.." بصراحة شديدة شعرت بالإحراج وأصدقكم القول فإن الشخص الوحيد الذي
كان يلتفت بنظره يميناً ويساراً وإلى الناس كان أنا.. فلا أدري ماذا أفعل ؟ وفجأة
رأيت شاباً يقف في أخر الدرج الكهربائي ويحمل كوماً من الصحف في يده اليسرى ويمد
بيده اليمنى الصحيفة لمن يريد.. فقلت في نفسي لقد جاء الفرج.. وأخذت واحدة وانضممت
إلى جموع القارئين .. ولا يزال صوت تلك الفتاة يدوي في أذني..
****
بديع القشاعلة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق