الأحد، 1 يناير 2012

"التعرّي" ليبرالية... عجبي !


مصر والانتخابات... سبحان الله ... صراعات متنوعة ومختلفة تدور رحاها بلا هوادة ولا رحمة ... الكل يصيح من عنده ويتشدق بما يمتلك من كلمات ومصطلحات ... والجميع يشد بطرف الثوب علّه يحصل على الحصة الأكبر ... قد يكون صراعا طبيعياً لكون الديمقراطية تعني الاختلاف والتنوع ... فالخلاف لا يفسد للود قضية ... هذه لعبة الديمقراطية ... إرادة الشعوب ... اقصد تلك الشعوب التي تفهم قوانين هذه اللعبة ... فالديمقراطية ليست اختيار ما تريد ... بل اختيار ما يتماشى مع روح العصر ... يعني لا تكن غبياً وتختار من تريد أنت, بل اختر ما يريدون منك أن تختار ... لأنك حينها لن تكون ديمقراطياً بل ستكون قندهارياً أو بنلادينياً ... عجبي !
 إن ما يدور في مصر كشف الغطاء ... فبصرك اليوم حديد ... أمور قد لا نكون نتصورها أو لا نريد أن نتصورها على الاقل ...  صراع بين الليبرالية والإسلامية... طبعاً أن كنت تشمئز من هذا مصطلح "ليبرالية",  فيمكنك استخدام مصطلح "علمانية" أو "مدنية" ...  ورغم إن الإسلام ليبرالي بطبعه ومدني  بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ... إلا أن اللعب بالمصطلحات وما تحتويه من معنى هو المصيبة الكبرى ... فكيف لا يكون الإسلام مدنياً وهو الذي أسس القوانين وشرع أسس الحياة والمعاملات... وكيف لا يكون الإسلام ليبراليا وهو الذي يعطي الحرية والحق للجميع ويدعو إلى المساواة بين الجميع وعدم الإكراه أو الغصب ... أن كل ما في الأمر هو أن الليبرالية أو المدنية أو العلمانية التي يدعون إليها ويتفوهون بها , والتي هي حلوة في معناها إلا أنها مرة في استخدامها ... كلمة حق يراد بها باطل ... هي ترك الدين ... ليس هذا فقط بل وخلعه من القلوب والأبصار ... فما لله, لله وما لقيصر, لقيصر .. لا دين في الدولة ولا دولة في الدين...  هم يريدون مطاردة الإسلام حيثما يكون ... سبحان الله ... وكأني اسمع عمر ابن الخطاب وهو يقول, نحن العرب كنا أذلة قبل الإسلام فأعزنا الله بالإسلام ... عجبي !
 تتعرى احدى الناشطات السياسيات كما يدعونها وتقول أنا حرة ... فهو زمن الليبرالية ... الحياة بلا قيود ... كل إنسان يفعل ما يحلو له ... "التعري" هو الليبرالية التي يدعون بها  إلا أنهم لا يصرحون ... يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ...
ראש הטופס
תחתית הטופס

الخميس، 25 أغسطس 2011

كش ملك !!

يقول محمد صلى الله عليه وسلم أن هدم الكعبة حجراً حجراً خير عند الله من إراقة دم امرئ مسلم واحد ... حسبي الله ونعم الوكيل ... حسبي الله ونعم الوكيل ...صوت الدبابات في كل مكان ... وفوهات المدافع تقذف الشر في كل الساحات ... ترعب النساء والأطفال ... وتبث الجزع والفزع بين المؤمنين ... الله سوريا بشار وبس ... الله سوريا بشار وبس !! بهذا النداء تهتف الحناجر الظالمة والخائفة ... لا صوت يعلو على صوت الأسد ... هذا ما نسمعه من التابعين وتابعي التابعين ... الخائفين المهزومين منذ عقود ... ويأبى الشرفاء إلا أن يرددوا الهتافات ضد النظام ... ضد الظلم والاستبداد ... ضد الذل والمهانة ... سيسقط الأسد لا محالة كما سقط شين العابدين والبقرة الضاحكة وذلك الذي يصيح زنقة !! زنقة !! يتعثر في ثوبه الطويل وسيسقط عما قريب أو أكاد أقول سقط ... واليمني الذي يأبى إلا أن يجلس على الكرسي رغم الحروق التي التهمت مؤخرته ... كش ملك ... كش ملك ... سقط الملوك ولم يبق إلا ملك الملوك ... اختفت الزعامات واكتسحها سيلٌ منهمرٌ من صيحات الشعوب ... فصوت الحناجر يعلو على صوت الرصاص وصوت المدافع وأزيز الطائرات ... حتى وان كان همساً أو اقل من همس ... فصوت العقول لا يهزم أبداً وان طال الزمان ...
كش ملك سقط حاكم تونس الذي تنوء العصبة عن حمل مفاتيح خزنته ... كش ملك سقط حاكم مصر فرعون العصر ... كش ملك احترق حاكم اليمن وقوم تبع ... كش ملك سيسقط صاحب الزنقات والكتاب الأخضر ... كش ملك سيهوي جمل سوريا وفيلسوفها ... كش ملك لا محال ... حسبي الله ونعم الوكيل ...
***
بديع القشاعلة

الأربعاء، 17 أغسطس 2011

زمن اللاشعور ...

زمن الغفلة ... زمن فيه الغافلون النائمون يسيرون في طريق يكتنفه الضباب من كل صوب ... ضبابٌ كثيفٌ حد العمى ... وتدورُ رحى الأيام وتتسارع خطى الزمان ويصعب على المرء متابعة اللحظات ... لحظاتٌ ممتلئةٌ حد الثقل المقيت ...  يكاد المرء يجزم فيه أن الأمس هو اليوم وأن الغد آت دونما استئذان ... زمنٌ زالت منه البركات ... يتساءل فيه المرء عن تلك اللحظات الطويلة الجميلة, لحظات من السمر والأصدقاء سواء ... والانتظار الذي غاب منذ أمد بعيد ... انتظار اللحظات تلو اللحظات والدندنة على أوتار الزمان ... زمان كان يلحن سيمفونية تترنح ألحانها دون انقطاع ... وتدور الأيام وتمر السنون دونما فتور ... ولا ندري كم هي أعمارنا ... عشر من السنوات لا تسير ... عشر من السنوات دون تغيير ... عشر من السنوات تجمدت في أرواحنا ... والزمان أسير ويسير ... وما هي إلا ومضاتٌ سريعة  من الوعي حتى تدوي سنوات الأربعين ... في الأربعين من العمر ... والأحاسيس والمشاعر ما زالت في العشر سنين ... زمن الاجترار ... زمن يجتر الأيام واللحظات ... يكفكف غيلة إحدى يديه ويبسط للوثوب علينا أخرى ... زمن اللاشعور وساعات من اللاوعي ... اليوم أمس وأمس غد ... والموت آت لا محال ... نموت وكأننا لم  نحيا ... نموت وكأننا لم نذق طعم الحياة ... وتبكي العيون تلك الذكريات وتلك اللحظات التي كانت تلتقي فيها الأنفاس وتصطف الأكتاف على الأكتاف ...  تسارع الزمان يقتلنا ويشتتنا أشلاء حيث لا ندري ... حيث يختلط الآن والمكان ... زمن الغفلة ... الغافلون النائمون  في زمن الاجترار وزمن اللاشعور ...

الأحد، 14 أغسطس 2011

يا له من نحس !!

ويسير الشيخ العجوز وخلفه حماره بخطوات سريعة وقد ظهرت سمات الرضا على وجهه وهو يتمتم بصوت خافت ... الحمد لله ... الحمد لله ... ها هو الباب يفتح من جديد ... سيكون رزقاً طيباً إن شاء الله ... فهذا الرجل غنياً بلا ريب ... نعم, انظر إلى سرواله وحذائه إنهما جديدان ... انظر إلى ذلك الرباط ... رباط حذائه الجميل انه من النوع الأصيل الغالي ... انه رجل من علية القوم دون شك ... تفوح منه رائحة جميلة  وشعره يلمع من الدهون الثمينة التي يضعها عليه ... لا بد انه يمتلك المال الكثير  وسيعطيني اجري كاملاً ... الحمد لله ... الحمد لله ... لقد استجاب الله دعائك يا صبحة ... صحيح إنها امرأة طيبة... وكيف لا وقد استجاب الله دعائها ... الله يجازيك بالخير يا صبحة ... اذكر حين تزوجتها لم أكن امتلك إلا القليل ... كنت اعمل حداداً لدى الحاج نايف ... ذلك الرجل اللعين ... أذاقني الكثير من العذاب وكان بخيلاً ... يعطيني بخس دراهم معدودة ... أتذكر جيداً حينما طلبته المزيد من القروش ... يا له من لعين !! لكنه مات رحمه الله ... لا يجوز عليه سوى الرحمة ... عندما تزوجت من صبحة تلك المرأة البيضاء الجميلة الحسنة ... صحيح أنها اليوم لم تعد كذلك وقد افسد الدهر ملامحها ... إلا أنها ما زالت طيبة... منذ تزوجتها وجدت عملاً آخر وكسبت مالاً واشتريت حماري الذي أسميته "نبيه"... يساعدني في عملي وفي حياتي ... وها هو الله يستجيب لدعاء صبحة ويرزقني بابن الحلال هذا  ... وبينما كان الشيخ العجوز يعيش في أحلامه  وهو شارد الذهن وإذ بالرجل يهتف به ... أنت !! أيها الرجل العجوز !!  انتبه إلى الطريق ... انظر إلى الشوالين ... احملهما إلى بيتي ... هيا بسرعة ... لنصل قبل الغروب ...  ابتسم الشيخ وتحرك بسرعة ليحمل الشوالين ... وكان يتمتم ... إن شاء الله ... يا قوي ... آمنت بالله العظيم  ... وحمل الشوالين على ظهر حماره "نبيه " وسار الرجل الأنيق وخلفه الشيخ يقود حماره وراءه ... وكان الرجل يكلم نفسه ويقول ... آه ... يجب أن أصل قبل الغروب ... ترى هل ستصدقني  ... هل ستغضب مني ... ترى!!  ووصل الشيخ وحماره إلى العنوان ... وكان بيت وسط سرب من البيوت الجميلة ... بيت فخم كبير من الحجر الأبيض  ... اقترب الرجل الأنيق من البيت وقد بدت عليه ملامح القلق ... دق الباب بقبضة مرتعشة ثلاث مرات ... ومن عمق البيت رد صوت أجش ... من الطارق ؟ من بالباب ؟ فرد الرجل متنحنحاً ... أنا ... هذا أنا ... لقد أتيت ...
ونزلت السكينة على المكان ... وخيم صمت عميق ... وفجأة سمع أزيز الباب ... فتبهنس الرجل ورجع خطوتين إلى الوراء ... والشيخ وحماره واقفان لا يدريان ما يحدث... وفتح الباب وإذ به امرأة غريبة الشكل, قصيرة الطول عريضة وبدينة, تحملق بعينيها البارزتين نحو الرجل وكأنها رأت شيطاناً يقف أمامها ... وبعد دقيقة من الصمت صاحت بصوتها الأجش ... أنت مرة أخرى !! أيها الشيطان !! لماذا أتيت ؟!  الم أطردك من البيت ؟! الم اقل أني لا أريد أن أراك ؟!  فرد الرجل الأنيق وهو يرتعش ... عزيزتي !! ماذا دهاك ؟! أنت زوجتي وأم عيالي .... فصاحت المرأة بسخط ... لا أريد أن أراك !! اغرب عن وجهي أيها الحقير !! انصرف فاني اشعر بالدوار حينما أراك .. هيا أيها الشيطان ... وأوصدت الباب بقوة ...طراخ !!!  ووقف الرجل الأنيق بصمت شديد ... وكان الشيخ العجوز وحماره ينظران إلى هذا المشهد الغريب دون حراك  ... وطأطأ الرجل رأسه وانكمش ثم نظر إلى الشيخ  وفي عينيه نظرة باكية ... ولم ينبس ببنت شفه وبقي صامتاً لبعض الوقت ثم قال بصوت يكاد لا يسمع ... أنا آسف ... فتنحنح الشيخ وتحرك من مكانه وقد بدا عليه الحرج وقال ...لا عليك ... لا عليك  ...  هذه الأمور تحدث كثيراً ... ستتغير الأحوال إن شاء الله ... لا عليك ... ثم ربت على ظهر حماره وأكمل ... تحدث في أحسن العائلات ... ثم اقترب الرجل الأنيق من الشيخ وقال له ... في الحقيقة أنا لا املك نقوداً ... وقد كنت انوي أن اخذ من زوجتي لأعطيك ... وقد رأيت ما حدث ...
فنزلت هذه الكلمات على الشيخ كالصاعقة ... لقد أنهدم الحلم ... سوف يعود بخفي حنين ... لقد تملص الرجل الأنيق منه ولن يدفع الأجرة... يا له من نحس ....

قنينتي...

ذهبتُ في رحلة إلى مدينة براغ في تشيكيا ... براغ مدينة جميلة جداً... تنطبق عليها مقولة "جنة الله على الأرض" فهي مدينة قديمة وقد أبدع أُناسها في بناء القصور المذهلة والجسور الرائعة والساحات البديعة ... ومهما زدتُ في وصفها فلن أعطيها حقها ... لن تعرفها إلا إذا زرتها... كان لي فيها بعض المواقف الطريفة والتي استوقفتني وأذعنتُ بعض الوقت متفكراً فيها ... من هذه المواقف, موقف قنينة الماء وبراميل النفاية ...
كنت أجول خلال النهار في شوارع براغ الضيقة والمرصوفة بحجارة  هندسية بديعة ترسم ملامح الزمن القديم ...  وكانت قنينة الماء في يدي والماء قليل ... حرارة الشمس اللاذعة في تلك البلاد تسرع من عملية امتصاص الجسم للماء فتحتاج خلال تجوالك إلى الكثير منه ... كنت حينها عطشاً فشربتُ ما تبقى في قعر القنينة وتمنيتُ لو كان فيها المزيد ... وبقيتْ قنينة الماء في يدي فارغة ... فبحثتُ عن برميل النفاية حتى أتخلص منها ... فوجدتُ أربع براميل مصطفة في سطر واحد بديع وذات ألوان مختلفة وجميلة ... فتعجبتُ قليلاً ولكني لم اعر لشعوري هذا اهتماماً فرميتُ القنينة في احدها وسرت في طريقي... ولكن الأفكار سارت تأكلني والأسئلة تدور في ذهني ... أربع براميل ؟! ألوان مختلفة ؟! لماذا ؟! يا لهذا الوسواس القهري الذي يطاردني ويؤرقني ... أللعنه !! يجب أن أعود لأتفحص الأمر... وفعلاً عدتُ بعد أن قطعتُ شوطاً من المسير... نظرتُ إلى البراميل بتمعن وكان مكتوب عليها باللغة التشيكية كلمات... كل برميل مكتوب عليه كلمة ... فقراتها وكنت اعرف اللغة الروسية... وهي قريبة منها ... فعلمتُ أن البرميل الأول مكتوبٌ عليه "ورق" والثاني "بلاستيك" والثالث "حديد " والأخير “زجاج"... فابتسمتُ وبحثتُ عن قنينتي فوجدت أني رميتها في خانة الورق ... فأخرجتُها وأنا أتلفتُ حولي ... فقد يحسبوني من جامعي القناني... ووضعتها في مكانها الصحيح وسرتُ في دربي مبتسماً...

الأحد، 17 يوليو 2011

وظيفة الحساب ...

  
كنت حينها في الثامنة من عمري وكنت اذهب إلى المدرسة مع أقراني ... أهرولُ في ساعات الصبح الباكرة أسابق الفراشة الجميلة ... كانت الفراشة ترفرف بجناحيها من حولي حرة طليقة ... سعيدة كل السعادة ... فهي لم تذهب في حياتها إلى المدرسة ولم تكن تجلس الساعات الطوال لحل الوظائف ألبيتيه ... وليس لها معلم يعاقبها, إن هي لم تحل الوظيفة ... لا احد يقول لها افعلي هذا أو ذاك, بل لها أن تفعل ما تشاء ... ثم نفترق واذهب في سبيلي, وأصل إلى المدرسة فادخل الصف ويبدأ الدرس الأول فالثاني فالثالث وهكذا ... وما أن يدق الجرسُ معلناً نهاية الدرس الأخير, حتى أطيرُ فرحاً ... وكان قلبي يرقص متهللاً  وتعلو وجهي الاشراقة ... وعندما أصل إلى البيت, كانت أمي تتلقاني بصوتها الحازم ... الوظائف ألبيتيه ... اللعنة على الوظائف ألبيتيه ... فلتخطف الشياطين كل الوظائف ألبيتيه ... اذكر ذلك اليوم الذي أعطاني فيه معلمُ الحساب وظيفة بيتية طويلة ومعقدة ... بصراحة لم افهمها ولا ادري كيف هوَ يفهمها ... ولكن لا مفر ... إلى معلم الحساب المستقر ... من لا يحل الوظيفة يضربه ضرباً مبرحاً ... أو على الأقل يصرخ فيه صرخة تخلخل العظم ... كنتُ أخاف منه كثيراً وكنتُ أداوم على حل الوظائف كلها ... كيف لا وأنا أراه كل يوم يسخط من لا يحل ... وفي ذلك اليوم أخذت كتاب الحساب وتوجهت إلى أبي علّه ينجدني من هذه الورطة ... فتمعن أبي في الكتاب ثم نظر ثم عبس وبسر  ... وتغير لون وجهه وتنحنح ثم تحرك من مكانه مرتين ... عرفت انه يجد صعوبة بالغة في فهم المسألة ... فقال لي وهو يحرك حاجبيه: ما هذا الكتاب ؟ كيف تتعلمون هذه الأشياء ... أنا لا افهم شيئاً منه على الإطلاق ... ثم أعطاني إياه وقال: اذهب إلى أمك ستشرح لك المسألة أفضل مني ... فعرفت حينها أني لن أجد حلاً ... ولم استطع حل الوظيفة المعقدة ... ونمت من ليلتها خائفاً مرتعداً من ذلك المعلم ... غدا سيسخطني لا محال ... وحلمت في نومي أني اركض في واد طويل وملتوي وكان معلم الحساب يركض خلفي وفي يده عصاة غليظة يلوح بها ... والغريب في الأمر انه كان على صورة حمار ضخم ... له أذان طويلتان وانف مدبب ... كاد أن يفتك بي لولا أني أفقت من نومي ... وذهبتُ إلى المدرسة ... ودخلتُ الصف لا اكلم أحداً ... كل ما يجول في خاطري تلك الوظيفة ألبيتيه التي لم أحلها ... فانا اليوم هالك لا محال ... ودخل معلمُ الحساب ... ذلك المعلم الضخم ذو الفكين الكبيرين ... عيناه جاحظتين وانفه طويل معقوف وكرشه متدلية فوق حزامه ... دخل إلى الصف وصوت هدير أنفاسه يسمع من بعيد ... جلس على الكرسي واخذ ينظر في يوميات الصف ... ثم عطس فتطاير رذاذ عطاسه في أرجاء الغرفة ... ومسح بكم قميصه ما تتطاير على شفتيه من سوائل ... ونظر إلينا وتنحنح وقال: يا الله ... توكلتُ على الله ... وقام من مكانه بعنف واستطرد ... الوظيفة !! تفتيش!! فارتعدتُ حينها ... وأصابني الذهول وانتظرتُ مصيري المحتوم ... وبينما أنا على هذه الحال احبس أنفاسي بصعوبة ... وإذ بمدير المدرسة يدخلُ إلى الصف دون استئذان ... كان مبتسماً وبرفقة شخص آخر ... يحمل حقيبة سوداء ... صامتٌ لا يتكلم ...  قال المدير بصوت هادئ: السلام عليكم يا شطار ... فرددنا عليه بصوت واحد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ... ثم نظر إلى المعلم الذي وقف متسمراً دون حراك وقد ارتسمت على شفتيه المنتفختين ابتسامة صفراء ... فأكمل المدير, أقدم لكم المفتش ... سوف يحضر عندكم الدرس ... ثم عاود ينظر إلى المعلم وكأنه يقول له: لا حول ولا قوة إلا بالله ... وجلس المفتش في الصف وذهب المدير ... وتنحنح معلمُ الحساب ودب فيه النشاط ... وبكلمات يملؤها اللطف قال لنا: والآن يا شطار تعالوا بنا نتعلم درس القسمة على اثنين ... وراح يشرح الدرس وهو سعيداً مبتسماً والمرح يملأ روحه ... والغريب في الأمر أننا تعلمنا هذا الدرس قبل يومين ... هذا لا يهم ...  ما يهمني أنه لن يفتش على الوظيفة ... فالمهم أني نجوت والحمد لله ... الحمد لله الذي استجاب لدعائي ... وعادت ابتسامتي وأخذتُ ارددُ مع الصف ما يقوله معلمً الحساب ...
***

بديع القشاعلة 

الخميس، 7 يوليو 2011

الدرويش ..



  في ساعات الليل المتأخرة والناس نيام ... نجوم تودع السماء وظلمة دامسة كأنها سرمدية تحيط بالمكان ... ضباب  كثيف هبط على الطرقات والأزقة ... وبيت يكتنفه الظلام من كل صوب يسطع منه ضوء خافت يعكس ظل امرأتين تجلسان حوله ... ظلٌ يرتجف مع ارتجاف الضوء ... ومن بعيد يسمع في الفضاء الواسع صدى صوت إحداهن تشكو للأخرى وتبوح بهمها ... صدى يملأه الحزن والأسى... ماذا افعل ؟ ماذا عساني أن افعل ؟ ترى !! لقد بحثتُ عن كل شيء وفعلتُ كل شيء ... شربتُ كل أصناف الأدوية وتجرعتُ كل ما وصفوه لي من مرٍ وعلقمٍ ... ولكني عبثاً حاولت ... لم ينفع شيء ... لا حول ولا قوة إلا بالله ... ماذا افعل ؟ فيرتد إليها صدى صوت آخر خافت ومتواني ... لا تيأسي ... لا حياة مع اليأس ... لا بد من العلاج ... لكل داء دواء ... أنت لست الأولى ولست الأخيرة في هذا العالم ... نساء كثيرات لم ينجبن فرزقهن الله في آخر المطاف ... الله أعطاهن ... الله هو الذي يرزق ... نعم صحيح ... صدقت ... الله هو الرزاق ...
ولحظة من الصمت الرهيب تكتنف المكان ... يصمت الكون لحظة ... ثم يعود صدى الصوت ... ولكني فعلت كل شيء ولم يجدي نفعاً ... لم اترك دواء إلا وشربته ... يا رب صبرني ... ماذا عساي أن افعل ... قلت لك لا تيأسي ... لقد سمعت أن امرأة لم تنجب أكثر من عشرين سنة ... ثم رزقها الله بعد ذلك بذرية كثيرة ... يا سبحان الله ... ولكن كيف هذا ؟ هل تعرفين كيف؟ نعم اعرف ... طبعاً كل شيء بإرادة الله ... يقولون أن هناك رجل صالح ومبروك ... ذهبتْ إليه تلك المرأة فأعطاها ورقة كتب عليها ادعيه وأشياء ... ثم اغتسلت بمائها ... فأنجبت ... سبحان الله ... معقول !! ولكن!! يعني هذا درويش ... بس الدراويش !! حرام !! كفر والله اعلم ... كيف حرام ؟؟ ليس حرام ... أبداً ... أي حرام ... معقول مش حرام ... الحرام حرام والحلال حلال ... يعني ... صحيح هنالك الصالحون المباركون ... آه ... لما لا أجرب ... في النهاية كله بيد الله ... لا بد لي أن أجرب ... أتعرفين أين يسكن ؟؟ غداً  سأعرف وسنذهب سوياً ... قولي إنشاء الله ... إنشاء الله ...  ويعود الصمت مرة أخرى ... وتهبط السكينة على المكان ... ويبقى ذلك الضوء ينبعث ببطيء من ذلك المكان ...

***

بديع القشاعلة

  هذا المساء،  حين تعبرُ برودةُ النسماتِ رقيقةً،  تُوقظُ في الصدرِ أشواقاً كانت تنام. وخدُّكِ الورديُّ يتوهّجُ في عتمةِ الوقت،  مغزولاً بضوء...