الثلاثاء، 18 سبتمبر 2012

حكاية من الشارع


كان الليل قد جُن وادلهم الظلام وهبطت السكينة على المكان وهدوء غريب غطى ملامح الحي .. ولم تعد صيحات النساء تُسمع ولا قهقهات الرجال... وعلت اصوات الصراصير البعيدة ... وكان الطقس شديد الحرارة ... يوم من ايام الصيف في بلادي, وكانت الساعة قد اقتربت من منتصف الليل وكنا نجلس تحت عامود الضوء في حارتي ... وقليلاً ما نتأخر الى هذا الوقت ... اعمارنا كانت متفرقة ,كنا ستة او سبعة. وكان كبيرنا
يجلس في وسطنا ونحن نحيطه بأعيننا وأفواهنا الشاغرة وأبصارنا الشاخصة, لو اطلعت علينا لوليت منا فراراً ولملئت منا رعبا, نستمع لحكاياته المخيفة, كان يحكي لنا قصص عن الاشباح والأموات. تلك التي تفيق في الليل وتسير في الحارات, وكان يلوّح بيديه وهو يروي لنا القصة وشعره اشعث متطاير في كل اتجاه وعيناه جاحظتين براقتين, وكان يبدو كالشياطين, او لعله الشيطان نفسه ولا نعلم. كانت اعيننا معلقة بيديه النحيفتين التي تشير الى كل صوب, وهو يفصّل لنا اشكال الاموات ... ونحن ننكمش وننكمش كلما تحرك وأشار بيديه .. وكان شكله وانفه المعقوف يخيل لنا في الظلام كأنه ساحر او عفريت ... وكان يوصينا بان لا نسب الأموات, لأنهم سيقومون في ساعات الليل المتاخره وسيجروننا من ارجلنا. ولا اذكر اني سببت ميتاً منذ ذاك اليوم ... كنا قد تسمرنا في مكاننا وتجمدت ابصارنا وشغرت افواهنا وسال لعابنا, وهو ما يزال يردد كلماته التي خنقت انفاسنا ورجت اعماقنا ... ولما انتهى من كلامه, قام وركض الى بيته القريب ... وقمنا وهرول الجميع ... وكان بيتي في نهاية الشارع, وقد ارتعدت اوصالي واقشعر بدني خوفاً وتخيلت اعمدة الشارع عفاريت وأشجاره شياطين, تلفني من كل ناحية, وقلت في نفسي هلكت لا محال ... فأغمضت عيني وأطلقت العنان لساقيّ وهربت مسرعاً الى بيتي ... لا اعلم حتى يومي هذا كيف وصلت سالماً ... ودخلت البيت فسألني أبي اين كنت ؟ لماذا لم تنم الى الان ؟ مالك لونك اصفر كالعفاريت فلم انطق بحرف وذهبت الى فراشي صامتاً لأنام ....

***
بديع القشاعلة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

  لماذا حين ارسم عينيك بقلم الرصاص لا أجد الممحاة لأمسح الدموع  من عينيك *** بديع القشاعلة