الأربعاء، 12 سبتمبر 2018



يا صديقي
لا تعاتبني
لا تحاسبني
لأني أصلاً لا أدري،
ما الذي يجري
فقلبي جميل
روحي كالشمس في السماء
واضحة كل الوضوح
كلماتي وأشعاري
حتى همساتي حين المساء
تخاطب النفس فيك والروح
وأنت تعاتبني
بسخطك المعهود تخاطبني
وأنت لا تدري أني لا أدري
أنا فعلاً لا أدري يا صديقي
ما الخطب
ما كل هذا الجفاء
كم أريدك أن تفهمني
أن تلاحظ عيني حين اللقاء
أن ترى حيرتي
هذا جل ما أرمي إليه
أطمح أن يكون
أرجوك لا تعاتبي ولا تخاصمني
يكفيني عناء 
***
                                                     بديع القشاعلة

الاثنين، 10 سبتمبر 2018



ولأنك تبكي بكاءاً مرير
ودمعك يسيل على خدك
كصفحة السماء حين المساء
وقلبك محصور
بين قطرات المطر،
والقمر
والماء
ﻷنك كالطير حين يطير
صوت العصافير
لأنك كنسمة البحر
الموج هائج حين الشتاء
تلامس وجهي ولحيتي
على إستحياء
لأنك هذا وذاك
لأنك غدوت حلماً مساءياً
تعودني وفنجان القهوة في يدي
وقلمي بين اناملي
أخط الحان الحياة
لأنك تبتسم حتى وأنت عابس
وأسنانك البيض الناصعات
تضيء ظلمتي
لأنك أنت أنت
كما شئت
أبعث إليك مني سلام
وكلام
بسمة يملأها الملام
ذلك فقط لأنك
كل هذا وذاك
***
بديع القشاعلة 




تُخاصِمُ الشَّمسَ البَحْر..
وَتُعانِقُ الكَواكِبَ فِي الفَضَاء..
وَيَلْعَقُ لِسَانُ شُعَاعِ الفَجْرِ السَّحَاب،
المُتَنَاثِرَ فِي كُلّ مَكان..
وَتُشَعْشِعُ حُمْرَةُ الخَجَلِ عَلى صُدْغِ السَّمَاء..
فَتَرْتَسِمُ أَيْقُونَةٌ يَخْفِقُ لَها الجِنَان..
فَأُطْرِقُ أُصْغِي لِلَهْفَةٍ،
كَصَلْصَلةِ سَعَفِ النَّخِيلِ فِي الشِّتَاء،
****
                                 بديع القشاعلة 

السبت، 11 أغسطس 2018

فرحة تلميذ (قصة قصيرة)

--------------------------

كنتُ في أحد الأيام مع أبي وأمي وإخوتي في رحلةٍ عائليةٍ، وبينما نحنُ نلعبُ ونركضُ تعثرت قدماي فسقطتُ على حجرٍ كبيرٍ، فجرحتُ كتفي.. كان جرحي عميقًا وكبيرًا.. هذا ما رأيته في ملامح أبي وهو يتفحصني، لقد ارتعب عندما رأى الجرح وكذلك أمي.. قال لأمي لا بد من المستشفى، فأمسكت أمي بجرحي واحتضنتني وساق أبي مسرعًا إلى المستشفى.. لقد أرعبني خوفهم.. وفي الحقيقة، في حينها لم أشعر بالألم بعد، ولكني عندما وصلتُ المستشفى شعرتُ بألمٍ شديدٍ في كتفي ورأسي وعنقي.. وقد خاط الطبيب جرحي وأطلقوا سراحي بعد كثير من الفحوصات.. عدتُ إلى البيت ويا للمفاجأة.. لقد جاءوا جميعا ليطمئنوا عليّ، كلهم كانوا يقولون لي الحمد لله على سلامتك.. مسكين كيف حدث هذا.. ويمسحون بأيديهم على رأسي.. كم كنت سعيداً بهذا الأمر.. أصدقائي في الحارة تجمعوا من حولي.. جاءت نساء الحارة لتطمئن علي، واشترى لي أبي كل ما أريد وكانت أمي تبدل ملابسي.. كنت سعيدًا جدًّا.. يا لسعادتي! وأفضل ما في الأمر أني معفى من الذهاب إلى المدرسة، كلهم يذهبون إليها إلا أنا، فأنا مصاب وجرحي مخيط.. وفي خضمّ سعادتي هذه تذكرت أبناء صفي، لقد اشتقتُ اليهم.. لماذا لم يأتون لزيارتي؟ لعلهم مشغولون بحل الوظائف.. وسارت الأيام، وشفي الجرح وآن أوان العودة إلى المدرسة .. بصراحة اشتقتُ إليها، واشتقتُ إلى كل من فيها.. وفي الصباح لبستُ ملابسي وتهيأتُ للذهاب إليها، و قلتُ في نفسي سيستقبلونني بسعادة وسأحكي لهم حكايتي، وانتظرتُ هذه اللحظة، وجاءت معلمة الدين.. كانت متجهمة على غير عادتها، فقلتُ في نفسي ستسألني عن حكايتي وسأسردها لها كلها، وقد شعرتُ بغبطة وانتظرتُ السؤال.. ولم تسألني.. توجهت إلي دونما ابتسام وقالت لي:
- أين الوظيفة؟ 
فقلت لها:
- أي وظيفة؟.. كنتُ غائبًا..
فاستشاطت غضبًا, وأمسكت بمسطرتها, وأشاحت بها في وجهي.. وضربتني دونما سؤال..
فسقطت دمعةٌ من عيني وجلستُ دونما حراك.. وهبطتْ سكينةٌ على المكان.


***
د. بديع القشاعلة

الثلاثاء، 7 أغسطس 2018




الصفعةُ
(قصة قصيرة)

كنتُ حينَها في الصفّ التّاسع الإعداديّ.. وكانت صفوفنا جميلة.. مصطفّة كَسِرْبٍ من الطيور المهاجرة من الشمال إلى الجنوب.. وكان صفّي في آخر السّرب وكنا نسمع أصوات العصافير وهي تداعب أوراق الشجر، ونشم رائحة التراب المبلول..  وكانت مدرستنا قريبة من المدرسة الابتدائية وصفوف الأوائل..  فكنا نصغي لصوت المعلّمات وصياح الأطفال وهم ينشدون الأحرف الأبجدية.. ألفٌ!  باءٌ!  تاءٌ! ثاءٌ..  وكانت أصوات الأطفال تشكلُ لحنًا جميلًا ومتناسقًا.. يذكرني بصوت الأوركسترا في مسرح «اليكساندرينسكي» في سانت بطرسبورغ..  رغم الفارق الكبير بين الأماكن..  وأذكر في تلك الفترة حين كنّا نخرج كالقطيع متّجهين صوب حنفيّة الماء لنشرب ونستريح من تعب الدرس..  فبين الدرس والدرس كنا نستغل خمس دقائق نشرب الماء فيها ونتنفس الصعداء.. كانت حنفية الماء بعيدة عن الصف ويفصل بيننا وبينها ساحة رملية مليئة بالحصى الصغير..  هذه كانت عادتنا.. وليس لنا من ترفيهٍ سوى هذا الأمر..  وفي يوم من أيام الصيف الحارّة والشمس تكاد تقبل جبين الأرض والحر ّشديد، خرجنا كعادتنا لنشرب ونستريح من ملل الدرس وصخب المعلم..  وبينما نحن على هذا الحال واذا بالطلاب يفرّون فرارَهُمْ من قَسْوَرَة.. هرب الجميعُ كالفئران حينما ترى قطًّا شرسًا شاغرًا فاه..  وأصواتهم تدوّي في الأفق: الأستاذ سمير!  الأستاذ سمير!  كان الأستاذ سمير مناوباً في ذلك اليوم وهو معلم شرسٌ لا يرحم أحدًا..  طويل القامة عريض الكتفين ذو عينين جاحظتين تكثر فيها الشعيرات الدموية.. وأنفه معقوفٌ ورقبته طويلة وتميل إلى الاعوجاج.. ولو رأيته لمُلِئْتَ منه رعباً ولولّيت منه فرارًا..  صوته كان كالرعد ترتجف له الأوصال وتنكمش منه الأحشاء..  وكأنه عزرائيل أو شيطان..  وكنت أنا من بين الطلاب.. وخفتُ كما خافوا وارتعبتُ كما ارتعبوا.. إلا أنّي أبيتُ على نفسي الهرب.. وسرتُ بخطوات عادية متجهًا إلى الصفّ وقد تسارعت دقّات قلبي بشكل لم أعهدُه من قبلُ...  هه!  يا لي من أحمق!  كان لا بُدَّ لي أن أهرب كما هربوا..  ولكني تذكّرت حينما كنت في الصف الرّابع الابتدائي، حينما تعلمنا درس «الصّبيّ وعمر بن الخطّاب» حينما مرّ عمر رضي الله عنه بصبيان يلعبون فهربوا إلّا عبد الله بن الزبير، فقال له عمر: لِمَ لم تفرّ مع أصحابك؟  قال: لم يكن لي جرم فأفرَّ منك، ولا  كان الطريق ضيقًا فأوسّع عليك!  وكنت أظن المعلم سيسألني ذلك السؤال فأجيبه ذلك الجواب.. هه!  أحمق!  وسرت بخطواتي المرتجفة أصارع الهرب حتى دخلت صفي وجلستُ في مكاني.. وبعد لحظات دخل ذلك المعلم وقد انتفخت أوداجُه وتطاير شعره وجحظت عيناه واحمرّ أنفه.. وسار باتجاهي ووقف بجانبي، وكنت أظنه سيكلمني.. فنظرت إليه لأسمع سؤاله، فرفع يده إلى السّماء وهوى بها على وجهي..  وطراخ!!
ودوّت صفعةٌ في أرجاء المكان واهتزت لها أوتار قلبي وانكسر شيء ما في داخلي..  وخرج المعلم من الصف، وبقيت دمعة في مقلتي أصارعها وأكفكفها.. وما زلتُ أسمع أصوات الأطفال ينشدون خلف المعلمة أحرف الهجاء برتابة.. ألفٌ!  باءٌ!  تاءٌ!  ثاءٌ!

***

بديع القشاعلة


الجمعة، 27 يوليو 2018




الحمّام

في أحد الأيام, من أيام سانت بطرس بورغ الصيفية الحارة والرطوبة في كل مكان ورائحة التراب الذي اختلط مع أوراق الشجر يملأ الهواء.. كانت عقارب الساعة تشير إلى الواحدة والنصف من منتصف الليل.. سكون شديد هبط على المكان يقطعه صوت خافت من بعيد لإطارات السيارات وهي تسير مسرعة بين الفينة والفينة في الشارع القريب من المسكن "بليخانافا تري" .. كنت أحاول جاهداً النوم ولكن عبثاً أحاول.. أتقلب في فراشي ذات اليمين وذات الشمال.. النوم يهرب مني ويأبى أن يأتي والنعاس يجافيني.. ماذا سأفعل فكلما حاولت النوم زاد أرقي شدةً, فقررت أن أكتب رسالة لوالديّ .. اعتدلت في فراشي واخذت ورقة وقلم كانتا على طاولة خشبية قديمة قريبة من سريري .. وبدأت أكتب..
أبي وأمي الغاليين أتمنى أن تكونا بصحة وعافية, أما بالنسبة لي فالحمد لله أموري جيدة.. وها أنا أتأقلم مع جو المدينة الرطب وصيفها الرطب الخانق.. أمس اقتنيت "جاكيت" جديد, لونه أحمر.. هذه أول مرة في حياتي ألبس الأحمر.. أحياناً الجو في الليل يكون باردا وماطراً رغم الصيف.. لذلك اضطررت لاقتنائه.. سأكتب لكم شيئاً مضحكاً حدث معي أمس.. كما تعلمون فإن غرفتي صغيرة وليس فيها "دوش" .. بل مرحاض وحوض صغير.. فذهبت إلى المسؤولة كي أخبرها أين يمكن الاستحمام.. فأعطتني رقم هاتف وقالت لي:
-         " عليك أن تتصل وتحجز دور للإستحمام" ..
 لقد ضحكت حينها واستغربت الأمر بشدة .. ولكن لا مفر .. اتصلت في حينها ورد على صوت رجل وقال:
-        " ألو زدرازفوتي" .. بالروسية مرحباً ..
فقلت له:
-        " زدرازفوتي .. يا ختشو زاكازات دوش".. بالعربية يعني أريد أن أحجز حمام أو "دوش" ..
وهكذا دار بيني وبينه حديث وأعطاني موعد وساعة وعنوان .. كان المكان يبعد عن مسكني سيراً على الأقدام عشر دقائق .. فذهبت هناك وأخذت معي لوازم الحمام, الشامبو والليفة ومناشف .. وسار كل شيء بصوره طيبة ولكنها مضحكة.. هه..
هذه هي حكايتي مع أول حمام في سانت بطرس بورغ.. لا أنساها أبداً..
أبي وأمي أدامكم الله وحفظكم ..
وهكذا انتهيت من كتابة الرسالة لوالديّ .. حينها شعرت بثقل جفنيّ ومداعبة النعاس .. فارتخيت في فراشي وغططت في نوم عميق..

***
بديع القشاعلة

  هذا المساء،  حين تعبرُ برودةُ النسماتِ رقيقةً،  تُوقظُ في الصدرِ أشواقاً كانت تنام. وخدُّكِ الورديُّ يتوهّجُ في عتمةِ الوقت،  مغزولاً بضوء...