الأحد، 6 يناير 2013

شر البلية ما يضحك ..



اذكر يوم كنت فيه في الحج وقد أدهشني أن أرى أمماً كثيرة وقبائل شتى ومتنوعة وثقافات عديدة ... تفاهم عجيب وتفاعل بينهم رغم اختلاف لغاتهم ... عجيب أمر الحج ... في زيارة واحده تستطيع أن تزور العالم بأسره وترى الحضارات كلها مجتمعة في مكان واحد ... في تلك اللحظات الهادئة الجميلة , كنت أصلي في زاوية من زوايا المسجد الحرام والناس من حولي بمختلف أجناسهم ... توجه إلي فتى اعتقد انه في العشرين من عمره ...وسألني مبتسماً .. أنت مصري ؟ فابتسمت بدوري وقلت له كثير من الناس يعتقدون ذلك ... وأنا لست مصرياً بل فلسطينياً ... فأكمل الشاب ابتسامته تلك  وقال, أنا يمني تشرفنا ... في تلك اللحظة ... أصدقكم القول, انتابني شعور غريب ... ذلك الشعور الدفين في داخلي وتلك المعضلة ... معضلة الانتماء ... من الأمور الحزينة في حياتي كوني لا اعلم إلى من انتمي شعورياً ... أو لا اشعر بهذا المعنى في أعماقي البعيدة ... أعاني من مشكلة في الهوية وقد أصل أحياناً إلى الشيزوفرينيا  والانفصام في الشخصية ... بصراحة لم اشعر بشيء عندما قلت له إني فلسطينياً ... لم تنتابني تلك القشعريرة المعهودة ... عندما أقول أنا فلسطيني اذكر غزة والضفة ... لا ادري إن كنت انتمي إلى هذه الكلمة شعورياً ... أم فقط عقلياً... ينتابني أحياناً شعور بالذنب ...  طبعاً أنا لست إسرائيلياً ... شر البلية ما يضحك .. عربي إسرائيلي ... يعني من بني إسرائيل ... ههه!! عجيب ... من أكون .. ولمن انتمي .. يا لها من اسئله صعبة ... لن أجد لها جواب ... فقط اشعر بالحزن العميق ..
رغم هذا اذكر أمراً طريفا في الحج... كنت أسير في شارع من الشوارع المتفرعة في مكة المكرمة ... شارع أم القرى... ينفر الناس بعد الصلاة عائدين إلى مساكنهم... جموع وجموع أجناس شتى وألوان شتى ... من كل حدب ينسلون ... سيل جارف من البشر  لا يمكنك مقاومته ... إلا أن تسير معه وتتجه إلى حيث يتجه ... منهم من يذكر الله ومنهم من يذكر الحياة الدنيا ... ومنهم من تشده روعة المكان فيشغر فاه ويشخص في البنايات والناس ... هذه الأمم والقبائل تحمل معها ثقافاتها وسلوكها وقيمها وعاداتها ... كل منهم يحمل بيته فوق ظهره ... يسيرون جماعات وفرادى ... منهم المبتسم ومنهم المتجهم ... وفي وسط هذا السيل من الناس .. تقف البائعات السود المكتشحات السواد ... فتيات منقبات وغير منقبات ... يبعن الجلابيب والمناديل وكل ما تشتهي أن تشتريه بريالاتك أو دنانيرك ... تعال يا حاج ... تعال يا حاج ...اشتري يا حاج ... بريال !! بخمسة ريال!! وهكذا ... وفجأة تخاف الفتيات البائعات وتبرق العيون وتحتبس الأنفاس وتنطلق السيقان ...كالريح المرسلة أو أسرع ... وتلملم بضاعتها بسرعة البرق ... البلدية !! البلدية !! وكأن البلدية غول مرعب .. وحش مخيف ... اقسم إني رأيت الرعب في عيونهن ... أدهشني هذا الأمر ... شر البلية ما يضحك .. هه..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

  لماذا حين ارسم عينيك بقلم الرصاص لا أجد الممحاة لأمسح الدموع  من عينيك *** بديع القشاعلة