الصفعةُ
(قصة قصيرة)
كنتُ حينَها في الصفّ التّاسع الإعداديّ.. وكانت
صفوفنا جميلة.. مصطفّة كَسِرْبٍ من الطيور المهاجرة من الشمال إلى الجنوب.. وكان
صفّي في آخر السّرب وكنا نسمع أصوات العصافير وهي تداعب أوراق الشجر، ونشم رائحة
التراب المبلول.. وكانت مدرستنا قريبة من
المدرسة الابتدائية وصفوف الأوائل.. فكنا
نصغي لصوت المعلّمات وصياح الأطفال وهم ينشدون الأحرف الأبجدية.. ألفٌ! باءٌ!
تاءٌ! ثاءٌ.. وكانت أصوات الأطفال
تشكلُ لحنًا جميلًا ومتناسقًا.. يذكرني بصوت الأوركسترا في مسرح «اليكساندرينسكي»
في سانت بطرسبورغ.. رغم الفارق الكبير بين
الأماكن.. وأذكر في تلك الفترة حين كنّا
نخرج كالقطيع متّجهين صوب حنفيّة الماء لنشرب ونستريح من تعب الدرس.. فبين الدرس والدرس كنا نستغل خمس دقائق نشرب
الماء فيها ونتنفس الصعداء.. كانت حنفية الماء بعيدة عن الصف ويفصل بيننا وبينها
ساحة رملية مليئة بالحصى الصغير.. هذه
كانت عادتنا.. وليس لنا من ترفيهٍ سوى هذا الأمر.. وفي يوم من أيام الصيف الحارّة والشمس تكاد
تقبل جبين الأرض والحر ّشديد، خرجنا كعادتنا لنشرب ونستريح من ملل الدرس وصخب المعلم.. وبينما نحن على هذا الحال واذا بالطلاب يفرّون
فرارَهُمْ من قَسْوَرَة.. هرب الجميعُ كالفئران حينما ترى قطًّا شرسًا شاغرًا
فاه.. وأصواتهم تدوّي في الأفق: الأستاذ
سمير! الأستاذ سمير! كان الأستاذ سمير مناوباً في ذلك اليوم وهو
معلم شرسٌ لا يرحم أحدًا.. طويل القامة
عريض الكتفين ذو عينين جاحظتين تكثر فيها الشعيرات الدموية.. وأنفه معقوفٌ ورقبته
طويلة وتميل إلى الاعوجاج.. ولو رأيته لمُلِئْتَ منه رعباً ولولّيت منه
فرارًا.. صوته كان كالرعد ترتجف له
الأوصال وتنكمش منه الأحشاء.. وكأنه
عزرائيل أو شيطان.. وكنت أنا من بين
الطلاب.. وخفتُ كما خافوا وارتعبتُ كما ارتعبوا.. إلا أنّي أبيتُ على نفسي الهرب..
وسرتُ بخطوات عادية متجهًا إلى الصفّ وقد تسارعت دقّات قلبي بشكل لم أعهدُه من
قبلُ... هه! يا لي من أحمق! كان لا بُدَّ لي أن أهرب كما هربوا.. ولكني تذكّرت حينما كنت في الصف الرّابع الابتدائي،
حينما تعلمنا درس «الصّبيّ وعمر بن الخطّاب» حينما مرّ عمر رضي الله عنه بصبيان
يلعبون فهربوا إلّا عبد الله بن الزبير، فقال له عمر: لِمَ لم تفرّ مع
أصحابك؟ قال: لم يكن لي جرم فأفرَّ منك،
ولا كان الطريق ضيقًا فأوسّع عليك! وكنت أظن المعلم سيسألني ذلك السؤال فأجيبه ذلك
الجواب.. هه! أحمق! وسرت بخطواتي المرتجفة أصارع الهرب حتى دخلت
صفي وجلستُ في مكاني.. وبعد لحظات دخل ذلك المعلم وقد انتفخت أوداجُه وتطاير شعره
وجحظت عيناه واحمرّ أنفه.. وسار باتجاهي ووقف بجانبي، وكنت أظنه سيكلمني.. فنظرت
إليه لأسمع سؤاله، فرفع يده إلى السّماء وهوى بها على وجهي.. وطراخ!!
ودوّت صفعةٌ في أرجاء المكان واهتزت لها أوتار قلبي وانكسر
شيء ما في داخلي.. وخرج المعلم من الصف،
وبقيت دمعة في مقلتي أصارعها وأكفكفها.. وما زلتُ أسمع أصوات الأطفال ينشدون خلف
المعلمة أحرف الهجاء برتابة.. ألفٌ! باءٌ! تاءٌ!
ثاءٌ!
***
بديع القشاعلة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق