الثلاثاء، 15 أكتوبر 2024


 

قصيدة الركام

للشاعر بديع القشاعلة

2024

------------------------------

ماتت شقائقُ النعمانِ،
وارتوتِ الأرضُ دَمْ،
كلُّ المكانِ احلولَكْ،
وصارَ دخاناً يا أرضَ الدُخَانْ،
منذُ كمْ، وكمْ؟

***

ماتت شقائقُ النعمانْ،
وفاحتْ روائحُ مِسْكْ
تملأُ كلَّ المكانْ،
وعبرَ الجدارِ المكسورِ
يشرقُ نورُ الصباحْ.

*** 

تُرى، هل سيأتي الصباحْ؟
وهل يُلقي نورهُ الدافئَ الأرضَ السوداءْ؟
تُرى، هل بقي من أرضِنا شِبْرٌ
لم يُسفكْ فيهِ الدِّماءْ؟
أم صارَ كلُّ الذي حولَنا
في ذاكَ الظلامِ رِثاءْ؟

***

هل سيجلي الصباحُ الغبارْ
والدخانَ في السَّماءْ؟
والعجائزُ الباكياتُ،
تحتَ وطأةِ العَناءْ؟

*** 

في الركامِ المتبقي،
يا صديقي، قُوَتْي،
في الركامِ المتناثرِ بينَ الأزقَّةِ،
وفيما تبقّى من الشوارِعْ،
يا صديقي، ركامي،
ذاكَ الركامُ الذي لا يُعجبُكْ،
هو الركامُ الذي يُغضبُكْ، يا صديقي،
هو ما تبقّى من عظامِي،
وجماجمِ أسرتي.
لا تمتهنِ الركامَ،
يا صديقي.

*** 

عندَ غروبِ الضياءْ،
تهدّمتِ المبَاني،
ومن تحتَ ركامِ الدِّيارْ،
تخرجُ أزهارُ الإسْمَنْتِ،
ونبتتْ وردةٌ من شقائقِ النعمانْ.

*** 

ومع غروبِ الضياءْ،
ينامُ الأنامُ والكائناتْ،
ولا يُسمعُ سوى هَمْسْ،
وفي ذاكَ الصمتِ الساكنِ
صوتُ ضجيجٍ،
ودويٌّ وسُقُوطْ،
وشعاعٌ من السماءِ ونَارْ،
ترى أيُّ نجمٍ سَقَطْ؟
أيُّ نجمٍ هوى؟

***

فاختلطَ سوادُ الليلِ،
وغبارُ الركامِ،
انقطعَ الصمتُ وسكنَ الهَمْسْ،
وعلتْ صيحاتٌ وحناجرْ: يا رَبْ،
وفاحتْ رائحةُ المَوْتْ،
وصارَ كلُّ شيءٍ غَمَامْ.

*** 

تحتَ الركامْ،
تكدّستْ عظامْ،
لا وجوهَ تحتَ الركامْ،
لا عيونْ.

***

فوقَ العظامِ رُكَامٌ،
تعانقتْ جماجمُ،
تشابهتْ،
وتشابكتْ.

*** 

طفلٌ تحتَ الركامْ،
كانَ يبحث عن حُلْمٍ صغيرٍ
بينَ الغبارْ،
والحجارةُ تشهدُ،
والبكاءْ،
هنا كانتْ أحْلَامْ.

***

يا طفلَ الركامِ، هل تسمعُني؟
هل ما زلتَ تحلمُ؟
أم أنَّ الدخانَ أخذَ كلَّ شيءْ؟

***

تساقطتِ الجدرانُ،
وبقيَ الطفلُ حكايةً لا تنتهي،
تحتَ الركامْ،
صارَ أجنحةً من نورٍ،
ورائحةً من بخُورْ.

*** 

ويبقى الركامْ،
شاهداً على خطى الأقدامِ التي مرّتْ،
ذاتَ يومٍ ولم تعدْ،
كلُّ غبارٍ يخبئُ صوتاً،
صدى أحْلَامْ.

 


  لماذا حين ارسم عينيك بقلم الرصاص لا أجد الممحاة لأمسح الدموع  من عينيك *** بديع القشاعلة