الأربعاء، 19 يونيو 2019


(الضياع)
------------------
يا صديقي
أيها الظل الذي كان يلازمني
أيها السراب الذي افتقدتُه منذُ زمن

كم أشتاقُ إليك
وإلى قهقهاتنا تلك 
إلى حرارةِ الترابِ وأقدامنا الحافيات
إلى سري الذي كنتُ تحتفظُ به في صدرِك 
وتهديداتَك لي 
وعصبيتي وقهري وغضبي منك 
يا صديقي الذي ما عاد 
أيها الخيال الذي سكنَ عقلي ثم رحل
من غيرِ ميعاد
ما عدتُ أُعطي سري لأحد
ما عدتُ أغضبُ من أحد
ما عدتُ أبوحُ لأحد
أتَذْكُرُ يا صديقي تلكَ اللحظات ؟
تلكَ الساعات ؟
تلك التي كنتُ فيها أغارُ منكَ وتغارُ مني
حينما كانَ قميصُك أجملُ من قميصي 
وحذائُك أجملُ من حذائي
كنتُ أغارُ منكَ.. ولكني أحببتك
كم أتوقُ إلى تلكَ الغيرةِ 
التي اختفتْ حينما اختفيتَ 
اتذكرُ يا صديقي ؟
تلك السيجارةُ في فصلِ الشتاء ؟
حينما دخنتُها ونفثتُ الدخانَ كالكبارِ 
أتذكرُ حينَ سعلتُ وسعلتُ وسعلت
حينما ضاقَ صدري واشتكيت 
وأنتَ تضحكُ وقهقهاتُك كالجرسِ القديم 
لم أعد غاضبٌ منك
لم أعد اغارُ منك
لم أعد أشعرُ بشيء 
لأنك لم تعدْ .. ولن تعدْ 
يا صديقي 
كنا صغار جداً 
وكانت الدنيا صغيرة 
وأحلامُنا صغيرةٌ مثل أناملنا 
مثل الفراشات التي كنا نلاحقها
فلا نمسكُها 
يا صديقي
كم وحيدٌ أنا 
وكم أتوقُ إلى تلك السهول التي جمعتنا 
فلا أدري يا صديقي هل تشعر انتَ بذلك ؟
لستُ أدري ..
***


أنا رجلٌ شرقيٌ ينتابني الجنون
أسير بخطواتي الثقيلة وجسدي المترنح 
وكلماتي المجنونة ولحظاتي الحمقاء 
أنا رجلٌ أشرب قهوتي في المساء 
أنفث دخاني الكثيفَ بعنف
أبعثرُ العناء 
وغضبي وقهري يبدُوان عليّ 
أنا رجلٌ يملأه السخط 
تداعبه الحماقة حيناً 
ويعتريه الذكاء أحيان
أتخبط في نفسي وانفاسي 
اتسكع في طرقات الحياة
كالضباب 
لا أرى في الظلام كما ترى الخفافيش 
أصطدم في أعمدة الشوارع 
أخانق الذباب 
أنا رجل مزاجيٌ جداً 
عبثيٌ جداً 
عبثاً أحاول أن أهدأ من سخطي 
أنا رجلٌ شرقيٌ خياليٌ 
أعشقُ التمرغَ في الشعرِ والكلمات 
أعشق اللاشيء
والتربعَ على عرش السراب 
أنا أشتهي كل شيء .. أنا مفكرٌ حيناً 
وأفقد الصواب أحيان
أنفثُ الدخانَ الأسودِ اللعين من رئتيًّ 
اطرد الضبابَ المتسكعُ فيًّ 
أبحثُ عن الكلمات بين النور 
تحت أعمدة الشوارع 
في ظلمات الليالي التعيسة 
أحتضنُ الدمعَ في كفي 
والأماكن والتراب 
أرسمُ القمرَ المنهك 
والعشقَ والعتاب 
أيتها الفراشات أيها الغراب 
أيها الضياع 
أنا رجلٌ جريحٌ يمشي ببطء 
كالمهاجر على جمله في كثبان الصحراء 
كالطائرِ 
مكسورٌ جناحهُ يحتضن السحاب 
أنا رجلٌ شرقيٌ ينتابني الجنون
***

سـأكتبُ عن وطنٍ تاه منذُ زمان 
عن شوارعٍ كثيرةٍ بلا عنوان 
عن حقل جدي الذي صارَ في النسيان 
عن بيتي القديم
عن المفتاح القديم الصدئ 
عن النكران 
عن الحياة بلا وطنٍ بلا جدران 
سأكتبُ عن وطنٍ بلا راية 
وطنٍ له حكاية 
على ألسن الناسِ في العقولِ والذكريات
وأكتبُ الوطنَ الضائعَ رسماً
على لوحةِ الزمان
على سفحِ الأيام
ليعلمَ القاصي والدان
أن وطني له وجدان
بينَ السطورِ
خلفَ حروفِ اسمي واسم أبي وجدي..
في ذلك البستان
حيثُ لا شجرَ ولا عيدان 
حيثُ أنا 
أصارعُ النسيان 
***
في ضجيجِ الظلام
أبحثُ عن نفسي
وخطواتي تتعثرُ وأكادُ أن أضيع
في خضمِ الزحام
أتوقُ الى وحدتي 
الى خفقِ المطرِ على زجاجِ شباكي 
الى ذلك الطيرِ يقفزُ امامي
الى طفلٍ كان يركضُ حافياً ويعانقُ الهواء
الى بسمةٍ عفويةٍ غابت
الى قهقهات المساء
وصوتِ النساء
والنميمةِ مع الهمسات
كم أنا مشتاقٌ الى وحدتي
والغروب
ونباحِ الكلبِ وصياحِ الديك 
وهمساتِ أبي في أذنِ أمي
ورائحةِ الترابِ والمطر 
في ضجيجِ الظلام 
أبحثُ عن نفسي
***
بديع القشاعلة

  لماذا حين ارسم عينيك بقلم الرصاص لا أجد الممحاة لأمسح الدموع  من عينيك *** بديع القشاعلة