الأحد، 30 سبتمبر 2012

زهرة بيضاء



تدنو الشمس من المغيب ويختلط اللون الأرجواني بالسواد ... وأصوات الأهازيج تعلو في كل مكان... عن نفسها وعن حياتها حدثتني ... وعن علقمة الدهر وغدر الزمان ... وعن سيف مسلول في وجهها, ترهات وخزعبلات تشعها النفوس... فكيف لا ابغض الناس؟ وكيف لا اكره الكائنات؟ دوي يخلخل العظم ويحبس الأنفاس...  أيتها الساكنةُ في كل مكان والمتأبطةُ كل زمان ... أيتها الزهرة المتلفعة لون البياض ...  تهمسين وفي همساتك لحن حزين ... فيطرق الفؤاد لتلك المعاني المتناثرة وتلك الحروف الراقصة  ويصغي لعزف أنفاسك ووقع لحظاتك... صفعات من الحياة تلطم الكيان فتدوي عبر مسامعي, تترنحين في كل مكان وتطردي كل القلوب  وتكشرين عن أسنانك الجميلة وتشيحين بأظافرك  وفي عينيك الجميلتين شهب وضياء,  وفي طواياك يخفق قلب جميل وشفاه تهمس بلحن أصيل, حنين يعتصر الروح من الروح, آتي من بعيد, من عمق الحكايات وأساطير الأولين... أيتها الزهرة السويسرية البيضاء اهمسي لكل الكائنات فشفاهك الجميلة تصدر أحلى الكلمات... 

***
بديع القشاعلة

الأحد، 23 سبتمبر 2012

لحظة من فقدان العقل ..



في كثير من اللحظات تتهاوى فيها العقول وتنساب فيها المشاعر لتستسلم الجوارح وتنقاد النفس الى ما لا تفهمه وما لا تعيه, الى حيث تكثر الأشباح بلا صورة ولا صوت ولا طعم ...  تحرك في النفس كل الطاقات وتغرس فيها كل الشحنات تدور وتتصعد في السماء وتدور ولا تقف حتى تستكين... تتحرك الساكنات من حولها وتضحك الجمادات وتهمس إليها بكلمات وتكلمها الكائنات ... ومضات من ملامح غريبة تشعها في النفس فلا تعلم ما تفعل وما تقول... يختلط كل شيء فيصبح الخطأ صواب والصواب خطأ وتُغلق الدوائر... فيتهامس من حولها ويضحك الضاحكون ويغمز الغمازون, فتنكمش وتستحي وتخجل من نفسها, فلا تعلم أي الفريقين ترى وأي منهم واقع وأيهم الخيال, فتنطلق لتنزوي في مكان مظلم حالك السواد, لا يراها فيه انس ولا جان .. ويقرأ الشيخ سورة الفاتحة والبقرة وال عمران ... وبسم الله الرحمن الرحيم... مس من الجن, سحرة موسى ... ويبتسم الشيخ ... لابد انه قد اختفى وصُفد في الأغلال ولن يعود ... وما زال الحال هو الحال... الواقع خيال والخيال واقع وما زالت الأنفاس تلهث وتبكي العيون وتنهمر العبرات... جنون ... وهم أم خيال.. لا عقل ولا إحساس... ويضحك الضاحكون ويغمز الغمازون, فتنكمش النفس وتنحصر وتتقوقع في مكان مظلم حتى لا يراها احد حتى ولا يقال أُصيبت بالجنون... وتدوي الصرخات فيسيطر الخيال على الواقع فتضيع ويضيع من حولها... وتهوي في مكان عميق مخيف, ويبكي الباكون ويندهش المستهزئون ويعاقب المعاقبون .. اقتلوا الشيطان واقتلوا الشر في العيون ... وتكثر التساؤلات وتتوقف الضحكات ... جنون وترهات تشعها النفوس في كل مكان ... فيختلط الآن  والمكان وتكثر التساؤلات ... لحظة من الجنون النفس... لحظة من جنون... 

***

بديع القشاعلة

الثلاثاء، 18 سبتمبر 2012

حكاية من الشارع


كان الليل قد جُن وادلهم الظلام وهبطت السكينة على المكان وهدوء غريب غطى ملامح الحي .. ولم تعد صيحات النساء تُسمع ولا قهقهات الرجال... وعلت اصوات الصراصير البعيدة ... وكان الطقس شديد الحرارة ... يوم من ايام الصيف في بلادي, وكانت الساعة قد اقتربت من منتصف الليل وكنا نجلس تحت عامود الضوء في حارتي ... وقليلاً ما نتأخر الى هذا الوقت ... اعمارنا كانت متفرقة ,كنا ستة او سبعة. وكان كبيرنا
يجلس في وسطنا ونحن نحيطه بأعيننا وأفواهنا الشاغرة وأبصارنا الشاخصة, لو اطلعت علينا لوليت منا فراراً ولملئت منا رعبا, نستمع لحكاياته المخيفة, كان يحكي لنا قصص عن الاشباح والأموات. تلك التي تفيق في الليل وتسير في الحارات, وكان يلوّح بيديه وهو يروي لنا القصة وشعره اشعث متطاير في كل اتجاه وعيناه جاحظتين براقتين, وكان يبدو كالشياطين, او لعله الشيطان نفسه ولا نعلم. كانت اعيننا معلقة بيديه النحيفتين التي تشير الى كل صوب, وهو يفصّل لنا اشكال الاموات ... ونحن ننكمش وننكمش كلما تحرك وأشار بيديه .. وكان شكله وانفه المعقوف يخيل لنا في الظلام كأنه ساحر او عفريت ... وكان يوصينا بان لا نسب الأموات, لأنهم سيقومون في ساعات الليل المتاخره وسيجروننا من ارجلنا. ولا اذكر اني سببت ميتاً منذ ذاك اليوم ... كنا قد تسمرنا في مكاننا وتجمدت ابصارنا وشغرت افواهنا وسال لعابنا, وهو ما يزال يردد كلماته التي خنقت انفاسنا ورجت اعماقنا ... ولما انتهى من كلامه, قام وركض الى بيته القريب ... وقمنا وهرول الجميع ... وكان بيتي في نهاية الشارع, وقد ارتعدت اوصالي واقشعر بدني خوفاً وتخيلت اعمدة الشارع عفاريت وأشجاره شياطين, تلفني من كل ناحية, وقلت في نفسي هلكت لا محال ... فأغمضت عيني وأطلقت العنان لساقيّ وهربت مسرعاً الى بيتي ... لا اعلم حتى يومي هذا كيف وصلت سالماً ... ودخلت البيت فسألني أبي اين كنت ؟ لماذا لم تنم الى الان ؟ مالك لونك اصفر كالعفاريت فلم انطق بحرف وذهبت الى فراشي صامتاً لأنام ....

***
بديع القشاعلة

  لماذا حين ارسم عينيك بقلم الرصاص لا أجد الممحاة لأمسح الدموع  من عينيك *** بديع القشاعلة