انتفض الجسد الميت منذ
زمان, وانتصب المارد بعد انبطاح طويل وانكسار وابتسمت الشفاه واشرأبت الأعناق
وجاءت نسائم الحرية ورفرف طير الحسون فوق الحقول الخضراء, وزغردت النساء وركض
الصغار واكتحلت الصبايا... ما أجمل نسيم الحرية وما أحسن أنشودة بلادي, أنشودتي
التي ما غنيتها منذ مولدي, وكنت اسمعها من جدي وجدتي وكان جدي يرفع ذراعيه إلى
السماء وهو يغني, وكان يبكي, وتستمر اللحظات السعيدة ولحظات الأمل والترقب , ترقب
الطريق... ولحظة تغرب فيها الشمس وتتحطم في مكان بعيد, حيث يقطن يأجوج ومأجوج, وحيث
يرقد ذو القرنين... فيلبس الليل النهار
وينفض عنه كل الأحزان وكل ما اقترف من خطايا وذنوب... في تلك اللحظة التي تموت
فيها الشمس ويحيا الليل... أناجي نسمة جميلة عليلة وروح ساكنة في جوف الليل الحزين
الذي يرزح تحت هضاب من جماجم وضلوع... أناجيك أيتها النفس المطمئنة التي غادرت
أجساد تكدست وتحطمت من شظايا الحروب... أيتها الروح الطيبة البريئة التي لم تلوثها
يد الزمان, أما آن أن تتجلي وتظهري وتحطي, أما آن أن تأتي... ها أنا ارقب الطريق
الطويل وارقب اللحظات التي تسير يبطئ مقيت ... ولم تأتي بعد ... ولم تظهري بعد
... فكم من السنوات يجب أن ابكي وكم من
السنوات علي أن أصيح... لقد بكت العيون حتى جفت وتعبت الحناجر من الكلام وتشققت
الأقدام من الوقوف, فهل صحيح ما يقال, أن لن تأتي أبدا... ولن تبعثي الأمل في كل
النفوس, وان الحروب وجحافل الخيول الغريبة ستبقى... وسيبقى الهرج والمرج ... وتدق
ساعة النهاية ... وتقوم القيامة ...
***
بديع القشاعلة
