ويسير الشيخ العجوز وخلفه حماره بخطوات سريعة وقد ظهرت سمات الرضا على وجهه وهو يتمتم بصوت خافت ... الحمد لله ... الحمد لله ... ها هو الباب يفتح من جديد ... سيكون رزقاً طيباً إن شاء الله ... فهذا الرجل غنياً بلا ريب ... نعم, انظر إلى سرواله وحذائه إنهما جديدان ... انظر إلى ذلك الرباط ... رباط حذائه الجميل انه من النوع الأصيل الغالي ... انه رجل من علية القوم دون شك ... تفوح منه رائحة جميلة وشعره يلمع من الدهون الثمينة التي يضعها عليه ... لا بد انه يمتلك المال الكثير وسيعطيني اجري كاملاً ... الحمد لله ... الحمد لله ... لقد استجاب الله دعائك يا صبحة ... صحيح إنها امرأة طيبة... وكيف لا وقد استجاب الله دعائها ... الله يجازيك بالخير يا صبحة ... اذكر حين تزوجتها لم أكن امتلك إلا القليل ... كنت اعمل حداداً لدى الحاج نايف ... ذلك الرجل اللعين ... أذاقني الكثير من العذاب وكان بخيلاً ... يعطيني بخس دراهم معدودة ... أتذكر جيداً حينما طلبته المزيد من القروش ... يا له من لعين !! لكنه مات رحمه الله ... لا يجوز عليه سوى الرحمة ... عندما تزوجت من صبحة تلك المرأة البيضاء الجميلة الحسنة ... صحيح أنها اليوم لم تعد كذلك وقد افسد الدهر ملامحها ... إلا أنها ما زالت طيبة... منذ تزوجتها وجدت عملاً آخر وكسبت مالاً واشتريت حماري الذي أسميته "نبيه"... يساعدني في عملي وفي حياتي ... وها هو الله يستجيب لدعاء صبحة ويرزقني بابن الحلال هذا ... وبينما كان الشيخ العجوز يعيش في أحلامه وهو شارد الذهن وإذ بالرجل يهتف به ... أنت !! أيها الرجل العجوز !! انتبه إلى الطريق ... انظر إلى الشوالين ... احملهما إلى بيتي ... هيا بسرعة ... لنصل قبل الغروب ... ابتسم الشيخ وتحرك بسرعة ليحمل الشوالين ... وكان يتمتم ... إن شاء الله ... يا قوي ... آمنت بالله العظيم ... وحمل الشوالين على ظهر حماره "نبيه " وسار الرجل الأنيق وخلفه الشيخ يقود حماره وراءه ... وكان الرجل يكلم نفسه ويقول ... آه ... يجب أن أصل قبل الغروب ... ترى هل ستصدقني ... هل ستغضب مني ... ترى!! ووصل الشيخ وحماره إلى العنوان ... وكان بيت وسط سرب من البيوت الجميلة ... بيت فخم كبير من الحجر الأبيض ... اقترب الرجل الأنيق من البيت وقد بدت عليه ملامح القلق ... دق الباب بقبضة مرتعشة ثلاث مرات ... ومن عمق البيت رد صوت أجش ... من الطارق ؟ من بالباب ؟ فرد الرجل متنحنحاً ... أنا ... هذا أنا ... لقد أتيت ...
ونزلت السكينة على المكان ... وخيم صمت عميق ... وفجأة سمع أزيز الباب ... فتبهنس الرجل ورجع خطوتين إلى الوراء ... والشيخ وحماره واقفان لا يدريان ما يحدث... وفتح الباب وإذ به امرأة غريبة الشكل, قصيرة الطول عريضة وبدينة, تحملق بعينيها البارزتين نحو الرجل وكأنها رأت شيطاناً يقف أمامها ... وبعد دقيقة من الصمت صاحت بصوتها الأجش ... أنت مرة أخرى !! أيها الشيطان !! لماذا أتيت ؟! الم أطردك من البيت ؟! الم اقل أني لا أريد أن أراك ؟! فرد الرجل الأنيق وهو يرتعش ... عزيزتي !! ماذا دهاك ؟! أنت زوجتي وأم عيالي .... فصاحت المرأة بسخط ... لا أريد أن أراك !! اغرب عن وجهي أيها الحقير !! انصرف فاني اشعر بالدوار حينما أراك .. هيا أيها الشيطان ... وأوصدت الباب بقوة ...طراخ !!! ووقف الرجل الأنيق بصمت شديد ... وكان الشيخ العجوز وحماره ينظران إلى هذا المشهد الغريب دون حراك ... وطأطأ الرجل رأسه وانكمش ثم نظر إلى الشيخ وفي عينيه نظرة باكية ... ولم ينبس ببنت شفه وبقي صامتاً لبعض الوقت ثم قال بصوت يكاد لا يسمع ... أنا آسف ... فتنحنح الشيخ وتحرك من مكانه وقد بدا عليه الحرج وقال ...لا عليك ... لا عليك ... هذه الأمور تحدث كثيراً ... ستتغير الأحوال إن شاء الله ... لا عليك ... ثم ربت على ظهر حماره وأكمل ... تحدث في أحسن العائلات ... ثم اقترب الرجل الأنيق من الشيخ وقال له ... في الحقيقة أنا لا املك نقوداً ... وقد كنت انوي أن اخذ من زوجتي لأعطيك ... وقد رأيت ما حدث ...
فنزلت هذه الكلمات على الشيخ كالصاعقة ... لقد أنهدم الحلم ... سوف يعود بخفي حنين ... لقد تملص الرجل الأنيق منه ولن يدفع الأجرة... يا له من نحس ....