الخميس، 25 أغسطس 2011

كش ملك !!

يقول محمد صلى الله عليه وسلم أن هدم الكعبة حجراً حجراً خير عند الله من إراقة دم امرئ مسلم واحد ... حسبي الله ونعم الوكيل ... حسبي الله ونعم الوكيل ...صوت الدبابات في كل مكان ... وفوهات المدافع تقذف الشر في كل الساحات ... ترعب النساء والأطفال ... وتبث الجزع والفزع بين المؤمنين ... الله سوريا بشار وبس ... الله سوريا بشار وبس !! بهذا النداء تهتف الحناجر الظالمة والخائفة ... لا صوت يعلو على صوت الأسد ... هذا ما نسمعه من التابعين وتابعي التابعين ... الخائفين المهزومين منذ عقود ... ويأبى الشرفاء إلا أن يرددوا الهتافات ضد النظام ... ضد الظلم والاستبداد ... ضد الذل والمهانة ... سيسقط الأسد لا محالة كما سقط شين العابدين والبقرة الضاحكة وذلك الذي يصيح زنقة !! زنقة !! يتعثر في ثوبه الطويل وسيسقط عما قريب أو أكاد أقول سقط ... واليمني الذي يأبى إلا أن يجلس على الكرسي رغم الحروق التي التهمت مؤخرته ... كش ملك ... كش ملك ... سقط الملوك ولم يبق إلا ملك الملوك ... اختفت الزعامات واكتسحها سيلٌ منهمرٌ من صيحات الشعوب ... فصوت الحناجر يعلو على صوت الرصاص وصوت المدافع وأزيز الطائرات ... حتى وان كان همساً أو اقل من همس ... فصوت العقول لا يهزم أبداً وان طال الزمان ...
كش ملك سقط حاكم تونس الذي تنوء العصبة عن حمل مفاتيح خزنته ... كش ملك سقط حاكم مصر فرعون العصر ... كش ملك احترق حاكم اليمن وقوم تبع ... كش ملك سيسقط صاحب الزنقات والكتاب الأخضر ... كش ملك سيهوي جمل سوريا وفيلسوفها ... كش ملك لا محال ... حسبي الله ونعم الوكيل ...
***
بديع القشاعلة

الأربعاء، 17 أغسطس 2011

زمن اللاشعور ...

زمن الغفلة ... زمن فيه الغافلون النائمون يسيرون في طريق يكتنفه الضباب من كل صوب ... ضبابٌ كثيفٌ حد العمى ... وتدورُ رحى الأيام وتتسارع خطى الزمان ويصعب على المرء متابعة اللحظات ... لحظاتٌ ممتلئةٌ حد الثقل المقيت ...  يكاد المرء يجزم فيه أن الأمس هو اليوم وأن الغد آت دونما استئذان ... زمنٌ زالت منه البركات ... يتساءل فيه المرء عن تلك اللحظات الطويلة الجميلة, لحظات من السمر والأصدقاء سواء ... والانتظار الذي غاب منذ أمد بعيد ... انتظار اللحظات تلو اللحظات والدندنة على أوتار الزمان ... زمان كان يلحن سيمفونية تترنح ألحانها دون انقطاع ... وتدور الأيام وتمر السنون دونما فتور ... ولا ندري كم هي أعمارنا ... عشر من السنوات لا تسير ... عشر من السنوات دون تغيير ... عشر من السنوات تجمدت في أرواحنا ... والزمان أسير ويسير ... وما هي إلا ومضاتٌ سريعة  من الوعي حتى تدوي سنوات الأربعين ... في الأربعين من العمر ... والأحاسيس والمشاعر ما زالت في العشر سنين ... زمن الاجترار ... زمن يجتر الأيام واللحظات ... يكفكف غيلة إحدى يديه ويبسط للوثوب علينا أخرى ... زمن اللاشعور وساعات من اللاوعي ... اليوم أمس وأمس غد ... والموت آت لا محال ... نموت وكأننا لم  نحيا ... نموت وكأننا لم نذق طعم الحياة ... وتبكي العيون تلك الذكريات وتلك اللحظات التي كانت تلتقي فيها الأنفاس وتصطف الأكتاف على الأكتاف ...  تسارع الزمان يقتلنا ويشتتنا أشلاء حيث لا ندري ... حيث يختلط الآن والمكان ... زمن الغفلة ... الغافلون النائمون  في زمن الاجترار وزمن اللاشعور ...

الأحد، 14 أغسطس 2011

يا له من نحس !!

ويسير الشيخ العجوز وخلفه حماره بخطوات سريعة وقد ظهرت سمات الرضا على وجهه وهو يتمتم بصوت خافت ... الحمد لله ... الحمد لله ... ها هو الباب يفتح من جديد ... سيكون رزقاً طيباً إن شاء الله ... فهذا الرجل غنياً بلا ريب ... نعم, انظر إلى سرواله وحذائه إنهما جديدان ... انظر إلى ذلك الرباط ... رباط حذائه الجميل انه من النوع الأصيل الغالي ... انه رجل من علية القوم دون شك ... تفوح منه رائحة جميلة  وشعره يلمع من الدهون الثمينة التي يضعها عليه ... لا بد انه يمتلك المال الكثير  وسيعطيني اجري كاملاً ... الحمد لله ... الحمد لله ... لقد استجاب الله دعائك يا صبحة ... صحيح إنها امرأة طيبة... وكيف لا وقد استجاب الله دعائها ... الله يجازيك بالخير يا صبحة ... اذكر حين تزوجتها لم أكن امتلك إلا القليل ... كنت اعمل حداداً لدى الحاج نايف ... ذلك الرجل اللعين ... أذاقني الكثير من العذاب وكان بخيلاً ... يعطيني بخس دراهم معدودة ... أتذكر جيداً حينما طلبته المزيد من القروش ... يا له من لعين !! لكنه مات رحمه الله ... لا يجوز عليه سوى الرحمة ... عندما تزوجت من صبحة تلك المرأة البيضاء الجميلة الحسنة ... صحيح أنها اليوم لم تعد كذلك وقد افسد الدهر ملامحها ... إلا أنها ما زالت طيبة... منذ تزوجتها وجدت عملاً آخر وكسبت مالاً واشتريت حماري الذي أسميته "نبيه"... يساعدني في عملي وفي حياتي ... وها هو الله يستجيب لدعاء صبحة ويرزقني بابن الحلال هذا  ... وبينما كان الشيخ العجوز يعيش في أحلامه  وهو شارد الذهن وإذ بالرجل يهتف به ... أنت !! أيها الرجل العجوز !!  انتبه إلى الطريق ... انظر إلى الشوالين ... احملهما إلى بيتي ... هيا بسرعة ... لنصل قبل الغروب ...  ابتسم الشيخ وتحرك بسرعة ليحمل الشوالين ... وكان يتمتم ... إن شاء الله ... يا قوي ... آمنت بالله العظيم  ... وحمل الشوالين على ظهر حماره "نبيه " وسار الرجل الأنيق وخلفه الشيخ يقود حماره وراءه ... وكان الرجل يكلم نفسه ويقول ... آه ... يجب أن أصل قبل الغروب ... ترى هل ستصدقني  ... هل ستغضب مني ... ترى!!  ووصل الشيخ وحماره إلى العنوان ... وكان بيت وسط سرب من البيوت الجميلة ... بيت فخم كبير من الحجر الأبيض  ... اقترب الرجل الأنيق من البيت وقد بدت عليه ملامح القلق ... دق الباب بقبضة مرتعشة ثلاث مرات ... ومن عمق البيت رد صوت أجش ... من الطارق ؟ من بالباب ؟ فرد الرجل متنحنحاً ... أنا ... هذا أنا ... لقد أتيت ...
ونزلت السكينة على المكان ... وخيم صمت عميق ... وفجأة سمع أزيز الباب ... فتبهنس الرجل ورجع خطوتين إلى الوراء ... والشيخ وحماره واقفان لا يدريان ما يحدث... وفتح الباب وإذ به امرأة غريبة الشكل, قصيرة الطول عريضة وبدينة, تحملق بعينيها البارزتين نحو الرجل وكأنها رأت شيطاناً يقف أمامها ... وبعد دقيقة من الصمت صاحت بصوتها الأجش ... أنت مرة أخرى !! أيها الشيطان !! لماذا أتيت ؟!  الم أطردك من البيت ؟! الم اقل أني لا أريد أن أراك ؟!  فرد الرجل الأنيق وهو يرتعش ... عزيزتي !! ماذا دهاك ؟! أنت زوجتي وأم عيالي .... فصاحت المرأة بسخط ... لا أريد أن أراك !! اغرب عن وجهي أيها الحقير !! انصرف فاني اشعر بالدوار حينما أراك .. هيا أيها الشيطان ... وأوصدت الباب بقوة ...طراخ !!!  ووقف الرجل الأنيق بصمت شديد ... وكان الشيخ العجوز وحماره ينظران إلى هذا المشهد الغريب دون حراك  ... وطأطأ الرجل رأسه وانكمش ثم نظر إلى الشيخ  وفي عينيه نظرة باكية ... ولم ينبس ببنت شفه وبقي صامتاً لبعض الوقت ثم قال بصوت يكاد لا يسمع ... أنا آسف ... فتنحنح الشيخ وتحرك من مكانه وقد بدا عليه الحرج وقال ...لا عليك ... لا عليك  ...  هذه الأمور تحدث كثيراً ... ستتغير الأحوال إن شاء الله ... لا عليك ... ثم ربت على ظهر حماره وأكمل ... تحدث في أحسن العائلات ... ثم اقترب الرجل الأنيق من الشيخ وقال له ... في الحقيقة أنا لا املك نقوداً ... وقد كنت انوي أن اخذ من زوجتي لأعطيك ... وقد رأيت ما حدث ...
فنزلت هذه الكلمات على الشيخ كالصاعقة ... لقد أنهدم الحلم ... سوف يعود بخفي حنين ... لقد تملص الرجل الأنيق منه ولن يدفع الأجرة... يا له من نحس ....

قنينتي...

ذهبتُ في رحلة إلى مدينة براغ في تشيكيا ... براغ مدينة جميلة جداً... تنطبق عليها مقولة "جنة الله على الأرض" فهي مدينة قديمة وقد أبدع أُناسها في بناء القصور المذهلة والجسور الرائعة والساحات البديعة ... ومهما زدتُ في وصفها فلن أعطيها حقها ... لن تعرفها إلا إذا زرتها... كان لي فيها بعض المواقف الطريفة والتي استوقفتني وأذعنتُ بعض الوقت متفكراً فيها ... من هذه المواقف, موقف قنينة الماء وبراميل النفاية ...
كنت أجول خلال النهار في شوارع براغ الضيقة والمرصوفة بحجارة  هندسية بديعة ترسم ملامح الزمن القديم ...  وكانت قنينة الماء في يدي والماء قليل ... حرارة الشمس اللاذعة في تلك البلاد تسرع من عملية امتصاص الجسم للماء فتحتاج خلال تجوالك إلى الكثير منه ... كنت حينها عطشاً فشربتُ ما تبقى في قعر القنينة وتمنيتُ لو كان فيها المزيد ... وبقيتْ قنينة الماء في يدي فارغة ... فبحثتُ عن برميل النفاية حتى أتخلص منها ... فوجدتُ أربع براميل مصطفة في سطر واحد بديع وذات ألوان مختلفة وجميلة ... فتعجبتُ قليلاً ولكني لم اعر لشعوري هذا اهتماماً فرميتُ القنينة في احدها وسرت في طريقي... ولكن الأفكار سارت تأكلني والأسئلة تدور في ذهني ... أربع براميل ؟! ألوان مختلفة ؟! لماذا ؟! يا لهذا الوسواس القهري الذي يطاردني ويؤرقني ... أللعنه !! يجب أن أعود لأتفحص الأمر... وفعلاً عدتُ بعد أن قطعتُ شوطاً من المسير... نظرتُ إلى البراميل بتمعن وكان مكتوب عليها باللغة التشيكية كلمات... كل برميل مكتوب عليه كلمة ... فقراتها وكنت اعرف اللغة الروسية... وهي قريبة منها ... فعلمتُ أن البرميل الأول مكتوبٌ عليه "ورق" والثاني "بلاستيك" والثالث "حديد " والأخير “زجاج"... فابتسمتُ وبحثتُ عن قنينتي فوجدت أني رميتها في خانة الورق ... فأخرجتُها وأنا أتلفتُ حولي ... فقد يحسبوني من جامعي القناني... ووضعتها في مكانها الصحيح وسرتُ في دربي مبتسماً...

  لماذا حين ارسم عينيك بقلم الرصاص لا أجد الممحاة لأمسح الدموع  من عينيك *** بديع القشاعلة