كنت حينها في الثامنة من عمري وكنت اذهب إلى المدرسة مع أقراني ... أهرولُ في ساعات الصبح الباكرة أسابق الفراشة الجميلة ... كانت الفراشة ترفرف بجناحيها من حولي حرة طليقة ... سعيدة كل السعادة ... فهي لم تذهب في حياتها إلى المدرسة ولم تكن تجلس الساعات الطوال لحل الوظائف ألبيتيه ... وليس لها معلم يعاقبها, إن هي لم تحل الوظيفة ... لا احد يقول لها افعلي هذا أو ذاك, بل لها أن تفعل ما تشاء ... ثم نفترق واذهب في سبيلي, وأصل إلى المدرسة فادخل الصف ويبدأ الدرس الأول فالثاني فالثالث وهكذا ... وما أن يدق الجرسُ معلناً نهاية الدرس الأخير, حتى أطيرُ فرحاً ... وكان قلبي يرقص متهللاً وتعلو وجهي الاشراقة ... وعندما أصل إلى البيت, كانت أمي تتلقاني بصوتها الحازم ... الوظائف ألبيتيه ... اللعنة على الوظائف ألبيتيه ... فلتخطف الشياطين كل الوظائف ألبيتيه ... اذكر ذلك اليوم الذي أعطاني فيه معلمُ الحساب وظيفة بيتية طويلة ومعقدة ... بصراحة لم افهمها ولا ادري كيف هوَ يفهمها ... ولكن لا مفر ... إلى معلم الحساب المستقر ... من لا يحل الوظيفة يضربه ضرباً مبرحاً ... أو على الأقل يصرخ فيه صرخة تخلخل العظم ... كنتُ أخاف منه كثيراً وكنتُ أداوم على حل الوظائف كلها ... كيف لا وأنا أراه كل يوم يسخط من لا يحل ... وفي ذلك اليوم أخذت كتاب الحساب وتوجهت إلى أبي علّه ينجدني من هذه الورطة ... فتمعن أبي في الكتاب ثم نظر ثم عبس وبسر ... وتغير لون وجهه وتنحنح ثم تحرك من مكانه مرتين ... عرفت انه يجد صعوبة بالغة في فهم المسألة ... فقال لي وهو يحرك حاجبيه: ما هذا الكتاب ؟ كيف تتعلمون هذه الأشياء ... أنا لا افهم شيئاً منه على الإطلاق ... ثم أعطاني إياه وقال: اذهب إلى أمك ستشرح لك المسألة أفضل مني ... فعرفت حينها أني لن أجد حلاً ... ولم استطع حل الوظيفة المعقدة ... ونمت من ليلتها خائفاً مرتعداً من ذلك المعلم ... غدا سيسخطني لا محال ... وحلمت في نومي أني اركض في واد طويل وملتوي وكان معلم الحساب يركض خلفي وفي يده عصاة غليظة يلوح بها ... والغريب في الأمر انه كان على صورة حمار ضخم ... له أذان طويلتان وانف مدبب ... كاد أن يفتك بي لولا أني أفقت من نومي ... وذهبتُ إلى المدرسة ... ودخلتُ الصف لا اكلم أحداً ... كل ما يجول في خاطري تلك الوظيفة ألبيتيه التي لم أحلها ... فانا اليوم هالك لا محال ... ودخل معلمُ الحساب ... ذلك المعلم الضخم ذو الفكين الكبيرين ... عيناه جاحظتين وانفه طويل معقوف وكرشه متدلية فوق حزامه ... دخل إلى الصف وصوت هدير أنفاسه يسمع من بعيد ... جلس على الكرسي واخذ ينظر في يوميات الصف ... ثم عطس فتطاير رذاذ عطاسه في أرجاء الغرفة ... ومسح بكم قميصه ما تتطاير على شفتيه من سوائل ... ونظر إلينا وتنحنح وقال: يا الله ... توكلتُ على الله ... وقام من مكانه بعنف واستطرد ... الوظيفة !! تفتيش!! فارتعدتُ حينها ... وأصابني الذهول وانتظرتُ مصيري المحتوم ... وبينما أنا على هذه الحال احبس أنفاسي بصعوبة ... وإذ بمدير المدرسة يدخلُ إلى الصف دون استئذان ... كان مبتسماً وبرفقة شخص آخر ... يحمل حقيبة سوداء ... صامتٌ لا يتكلم ... قال المدير بصوت هادئ: السلام عليكم يا شطار ... فرددنا عليه بصوت واحد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ... ثم نظر إلى المعلم الذي وقف متسمراً دون حراك وقد ارتسمت على شفتيه المنتفختين ابتسامة صفراء ... فأكمل المدير, أقدم لكم المفتش ... سوف يحضر عندكم الدرس ... ثم عاود ينظر إلى المعلم وكأنه يقول له: لا حول ولا قوة إلا بالله ... وجلس المفتش في الصف وذهب المدير ... وتنحنح معلمُ الحساب ودب فيه النشاط ... وبكلمات يملؤها اللطف قال لنا: والآن يا شطار تعالوا بنا نتعلم درس القسمة على اثنين ... وراح يشرح الدرس وهو سعيداً مبتسماً والمرح يملأ روحه ... والغريب في الأمر أننا تعلمنا هذا الدرس قبل يومين ... هذا لا يهم ... ما يهمني أنه لن يفتش على الوظيفة ... فالمهم أني نجوت والحمد لله ... الحمد لله الذي استجاب لدعائي ... وعادت ابتسامتي وأخذتُ ارددُ مع الصف ما يقوله معلمً الحساب ...
***
بديع القشاعلة

