وغابت الشمس ... واكتست الصحراء بلون السواد ... وسكن الكون وهدأت الصخور وسكنت الطيور ورقد أبو عمر وزوجته عائشة تحت لحافهما ... في خيمتهما ينتظران بزوغ الفجر ...
وجاء اليوم التالي ... ساعة الظهر, يوم شديد الجفاف .. وأبو عمر يجلس وبين أنامله المتجعدة الخشنة حبل طويل يجدله بقوة والعرق يندس من جبينه, وعيناه محمرتان من شدة الحرارة وفوق رأسه منديل كان ابيض اللون ... أبو عمر, هو رجل في الستين من عمره, شديد النشاط, يعمل بكد ويحتمل ما لا يحتمله الرجال الشداد ... لا يملك في هذا الكون سوى زوجته عائشة وحماره "مغبون" وبعض الدجاجات, ولم ينجب أطفالا, وكان ذو وجه عبوس شديد البؤس, قليل الابتسام ... يجمع الحديد ويبيعه في السوق ... يحمل الحديد على ظهر حماره "مغبون " يبيعه ويقبض الثمن بخس دراهم معدودة ... عائشة زوجته في الخامسة والخمسين من عمرها, وهي عجوز صعبة المراس قليلة الابتسام كثيرة التجاعيد في وجهها ... لا تسكن إلا إذا سكنت الشمس, كثيرة الحركة ... تغسل وتكنس وتطبخ وتشعل النار ... وتنتظر زوجها كل مساء ليحضر ومعه ما كسب من مال قليل فينفقونه على أكلهم ... هكذا هي حياتهم لا تحيد عن هذا المسار منذ أكثر من ثلاث عقود ... يسكنون هذا الوادي النائي الذي يبعد عن القرية أكثر من عشرة أميال ...
انتهى أبو عمر من جدل حبله وربط الحمار وأوثق رباطه ... وقال لزوجته بصوت خافت : ادع لي يا مستورة ... عسى الله أن يرزقني رزقا طيباً مبارك فيه .. لقد أصبحت الحال صعبة ... لا تطاق... فتأوهت عائشة : لا تقلق ... توكل على الله ... فتمتم أبو عمر : آمنت بالله العظيم ... وسار متجها إلى القرية ... ورأسه بين كتفيه وقد بانت انحناءة ظهره وخطواته المائلة .. وكانت عائشة تنظر إليه وفي مقلتيها المترهلتين تجمع دمع كثير ...
***
بديع القشاعلة
***
بديع القشاعلة




