السبت، 30 أبريل 2011

كيف لا نبكي ...

يقولون لي لا تبكي ... يلومون دمعي ... فالرجال لا يبكون ... وكيف يبكون وهم الشامخون المتصلبون ... الذين يقفون في وجه القهر ويتجرعون مرارة الحياة ... الرجال لا يبكون ... فالدموع في اجفانهم جفت وتحجرت ... الرجال ينزفون ولا يبكون ... ليس من حقهم البكاء ...
بكاء يريح ... كم هم الباكين في هذا الوجود ... اصوات الانين والكاظمين الدموع ... كم من ابتسامة تخفي خلفها سيل من الدموع ... تمتلئ الارض بالنائحين المنتظرين منذ زمن بعيد ... منذ ذلك العيد الذي لم ياتي والذي غاب عن الوجود وصار حلماً وسراباً ... ضاع في الافق العميق واصبح غباراً يحوم في السماء ... بين الاقمار ... اما آن للعيد ان ياتي وان تبتسم الفراشات وتعلو الزغاريد والاهازيج الجميلة العتيقة ... التي ما سمعناها وما رددناها منذ ايام وليالي طوال ...
كم هم الباكين على الذكريات الجميلة وعلى الاحلام السعيدة التي ضاعت وصارت غمام يتلفعه السواد ... لم لا نبكي ؟ لم لا ؟ فلنخلي سبيل الدموع المكبلة في اغلالها والمكبوته حد القهر ... فالدمع يريح ويخفف من وطئة الحزن الشديد ...
وكاني اذكر الشاعر يقول, لولا الحياء لعادني استعبار ... وآخر يغني ويقول اذا الليل اضواني بسطت يد الهوى واذللت دمعاً من خلائقه الكبر ... وها هو ابن الرومي يبكي ابنه ويقول بكاؤكما يشفي وان كان لا يجدي , فجودا فقد أودى نظيركما عندي ...
فلنطلق العنان للدمع ليجري سيلاً يتدفق من نبع الحقيقة والصواب ...
كيف لا نبكي والبكاء يريح ...كيف لا نبكي والبكاء يساعدنا على الحياة ... كيف لا نبكي والبكاء رحمة ...
***
بديع القشاعلة

الأربعاء، 27 أبريل 2011

أمير المؤمنين

يهدأ الليل وتنطفئ الشمس وتلبس السماء ثوبها البرجوازي ... تلمع النجوم في السماء وتسكن الطيور وتهجع الكائنات ... اسمع عواء كلب بعيد وأضواء الشوارع الخافتة ... نسيم جميل يداعب البيوت ...
اخلد إلى النوم ... أتلفح اللحاف وانكمش في الفراش ابحث عن الزوايا الدافئة ... النوم يداعب جفوني اشعر بالإرهاق ... استسلم للنعاس ويفرض سيطرته علي ... فأنام ملئ جفوني ...
حلم يراودني ... حلم يلاحقني ... حلم وردي ... احلم إني في دولة فيها أمير المؤمنين ... يلبس ديباجة بنفسجية ويشار إليه بالبنان ... يقول فيسمع له ويأمر فيطاع ... يجلس في المجالس الكبرى فترتعش له القلوب وتنتفض له الأبدان ... انه أمير المؤمنين ... يتحدث فتصغي له الآذان وتشخص الأبصار ... أمير المؤمنين قال ... أمير المؤمنين أشار ... غضب وتوعد ... مثل هارون الرشيد ... انه أمير دولتي ... دولتي ليس فيها عواصم وليس فيها حدود ... دولتي ليس لها أسماء ... تمطر الغيمة فيها حيثما ذهبت ...
حلم جميل يشرح صدري ... حلم يظهر وأنا في سبات عميق في نوم هادئ ... وقت السحر ونسيم الفجر يداعبني ... حلم يشعل فيما تبقى من الليل كل الضياء والشموع ... ويسطع الضوء وتنكشف الشمس ويضيع الحلم ... أفيق فانظر حولي أفتش عن أمير المؤمنين وعن دولتي ... فلا أجد سوى وسادتي وبقايا فنجان قهوتي وقنينة ماء فارغة ... فيتجعد جبيني وتنكمش وجنتي ... فتكشف سني عن ابتسامة لا معنى لها ... فأقول انه حلم ... ذلك الحلم الذي يراودني ... كثيرا ما يراودني...
***
بديع القشاعلة

السبت، 23 أبريل 2011

لحظة عزاء...

لحنٌ رتيب يقرع مسمعي وأصوات آتية من لجج الصمت وعمق السكون.. ضباب في ضباب وجو يملأه السحاب ورشات مطر تطرق الشباك ومن خلف الستار.. ارقب الضياء والطريق وارقب بيتاً قديماً.. قد دب فيه الحريق ولم يعد سوى ذكريات.. ذكريات من ماض غابر.. ترى من كان هناك ومن كان ضحية الحريق؟ ضباب في ضباب .. خطأ أم صواب أن دب الحريق في البيت القديم.. عيون باكية خلف الستار ودموع غزيرة وعيون كالجمر.. ترقب الناس وترقب الطريق .. ترقب الزائرين, المصافحين الرائحين والغادين .. جموع شتى.. معزين.. وما تزال رشات مطر تطرق الشباك.. خطأ أم صواب أن تندثر الذكريات..
ترى ما الذي حدث؟ ما الخطب ؟ من ذا الذي يموت قلبه ؟ فيتحجر حتى حد الصوان ؟ وينقلب وحشاً يحطم كل القلوب ويأبى إلا أن ينشر الحزن فوق كل البلاد.. تتجمد الروح ويأبى العقل إلا أن ينام وتمتد يد الشؤم لتقطف الورود وتنزع من الصدور كل القلوب..
غريزة همجية تحرق الابتسامات وتلك الناصعات الأسنان البيض وتشعل فيما تبقى من الليل كل الزهور.. وما تزال رشات مطر تطرق الشباك.. ولحن رتيب يقرع مسمعي يلحن معزوفة جميلة مفعمة بالحزن والشجون..
لعمرك ما الدنيا إلا لحظات عابرة وليل ينازع.. من أحب فيها فاز ومن أحسن فيها فاز ومن اعتبر فيها فاز .. وويل ثم الويل لمن يقوده الحسد وتغتاله الأحقاد.
ترى ما الحقيقة.. ابحث عن الحقيقة في عيون الناس فلا أجد سوى الحيرة والتساؤل.. وبين كل هذا السواد أشم رائحة جميلة وعبق يملأ الأفق .. وردة برجوازية.. دفئ وحنين .. بصيص من الأمل.. وما تزال رشات مطر تطرق مسمعي عبر الشباك...
***
بديع القشاعلة

سنةُ كشهر....

صرخاتٌ تدوي في الأفق وهدير بكاء حزين وصمتٌ خافتٌ ومتواني .. مات فلان ... توقفت الأنفاس.. التفت الساقُ بالساق وظن انه الفراق.. في مثل هذه اللحظات ينتفض جسدي مرتعشاً , كعصفور بلله القطر.. وتراودني مشاعرٌ متزاحمة وكأني بابي القاسم الشابي اسمعه يقول:
فَعَجَّتْ بِقَلْبِي دِمَاءُ الشَّبَـابِ وَضَجَّتْ بِصَدْرِي رِيَاحٌ أُخَر
وَأَطْرَقْتُ ، أُصْغِي لِقَصْفِ الرُّعُودِ وَعَزْفِ الرِّيَاح وَوَقْعِ المَطَـر
همساتٌ رتيبةٌ تطرق مسمعي توزعني أشلاء حيث لا ادري .. حيث لا مكان ولا زمان.. ها هي الدنيا تسير بلا هوادة وتنقضي الأيام..تسير كجلمود صخرٍ حطه السيل من علٍ.. وما نزال نتربص بها ونتمسك بتلابيبها ولا ندري متى تتركنا ونتركها... ها هو أبو العتاهية ينشد:
الـدَهرُ ذو دُوَلٍ وَالمَوتُ ذو عِلَلٍ وَالـمَرءُ ذو أَمَـلٍ وَالـناسُ أَشباهُ
وَلَـم تَـزَل عِـبَرٌ فـيهِنَّ مُعتَبَرٌ يَـجري بِـها قَـدَرٌ وَاللَهُ أَجراهُ
كلمات مفعمة بالشجون اكتب بها مقولتي.. كلمات تخرج من عمق الصواب وتعتصر الروح من الروح.. كلمات تعج بقلبي وتضج بصدري وكيف لا وقد اختلط الآن والمكان فأصبحنا في دوامة لا متناهية وعبثاً نحاول الصمود ونتشبث بحبالٍ بالية اهترت منذ زمن ...زمن متسارع إلى حد الجنون.. سنة كشهر وشهر كيوم ويوم كساعة .. زمن الجنون.. كل شيء فيه يسير إلى النهاية .. إلى المحتوم.. والناس يأكلون ويشربون ويضحكون, يسيرون ويبتسمون والزمان يهوي إلى حيث هو يعلم إلى أين.. ونحن نعلم إلى أين ولكننا لا نكترث... فيذكرني قول طرفة ابن العبد:
لعمـركَ مـــا الأيّـــام إلاّ معـارةٌ فما أسطعت من معـــروفها فتــــــزوّدِ
فهل من معتبر؟ في خضم هذه الأفكار المزدحمة هل لنا أن نتفكر فيما يدور حولنا .. في أعمالنا .. في حياتنا وساعاتنا ... هل لنا أن نقف ولو لبرهة حتى نرى ما لنا وما علينا... فالزمن يدور والسنوات تهرول والأيام تتسامى ... سنة كشهر وشهر كيوم ويوم كساعة ...
***
بديع القشاعلة

الموت في الميدان طنْ ...

الصمت حط كالكفنْ ... ما أحلى هذه الكلمات, لطالما رددتُ هذه الأبيات الجميلة للشاعر احمد حجازي .. إنها تداعبُ المشاعر العميقة, المشاعر الإنسانية, تلك التي تغربتْ والتي عاشتْ الوحدة...
لست ادري لماذا اخترت أن ابدأ أولُ ما اكتبُ في هذه الزاوية بهذه الكلمات الساكنة؟ نعم .. الموت في الميدان طنْ ... الصمت حط كالكفنْ ... صمتٌ مدهش يتخلخل في جوانب حياتنا.. يوزعنا رذاذاً كرذاذ اليم .. صمتٌ في كل مكان, لستُ اعني عدم الكلام, فالكلام في كل مكان, الضجيج يملأ الأرض ... بل ذلك الصمت الذي يميز بلادي , ففي بلادي الناس مشبعون باللامبالاة .. في بلادي القافلة تسير ببطيء ولا احد يهتم, إلا القليل والذين هم لا يكفون, وتختلجهم بين الحين والآخر مشاعر اليأس والهزيمة .. في بلادي يقولون لماذا لم تفعل؟ لماذا لم تفعلون؟ وهم قاعدون .. وهم يشيرون .. في بلادي تكثر الشعارات .. والخطابات, في بلادي المنتقدون كُثُر.. المراقبون كُثُر والمشككون كُثُر.. هم لا يلحظون البراعم المتفتحة والأزهار اليانعة .. إلا القليل .. بلادي فيها المهرولون إلى العيوب والهارعون إلى الأخطاء الذين يصبون الماء في الرمال ويغطون الشمس بالغربال..
فهل سيأتي ذلك اليوم.. الذي فيه يصبح كل فرد قادر على ان يعطي.. على إن يساهم.. حتى لو كان قليل.. هل اقترب اليوم الذي فيه ننتبه إلى أنفسنا أكثر من ملاحظة الآخرين... هل سيأتي اليوم الذي سنعترف فيه بعيوبنا قبل إن نعيب غيرنا.. حتى ننشغل في تحسين ذاتنا.. ترى !!
الشعب يريد إسقاط النظام ...
هكذا صاحت الجماهير الغفيرة في مصر .. وقبلها قالتها تونس .. هذا أوان الثورات .. التغيير .. ثورات تدعو إلى التجديد والتحديث... إلى الحرية .. إلى الكرامة ..أما آن أوان ثورة العقول ... على الجهل واللامبالاة...على ضيق الأفق ... أما آن الأوان ؟
إلى إن يأتي مثل هذا اليوم تعالوا نبتهل إلى الله إن يوفقنا إلى ما هو خير...

***
بديع القشاعلة


أدهشني....

أدهشني أن اسمع هذه المقولة: " كثيرٌ هم السائرون على الدرب, ولكن قليلٌ هم التاركون آثارهم عليها".. ترى ما هي اللحظات المؤثرة في حياتنا ؟ والتي قد لا نلقي لها بالاً... هل هذه اللحظات موجودة فعلاً ؟
نعم لكلٍ منا لحظات جميلة.. لحظات مؤثرة ... لحظات من السعادة ... وأحيانا من الحزن... تبقى خالدة في ذاكرتنا... لقد سمعت قصة جميلة تتحدث عن تلك اللحظات التي نمر بها دون أن نتمعن فيها.. والتي قد يكون لها اثر كبير في شخصيتنا وحياتنا.. ها كم هذه القصة..
يحكى أن احد الجوالة كان يسير في دولة ما من دول العالم .. وكان يتمتع بمشاهدة الطبيعة الخلاقة, والشوارع الواسعة والبنايات المرتفعة .. وبينما هو على هذه الحالة وصل إلى منقطة غريبة .. مقبرة كبيرة.. قبورها بيضاء وأسوارها خضراء .. يا الهي ! انه مشهد جميل رغم الحزن الذي يكتنف المكان.. الغريب في الأمر أنها مقبرة أطفال.. كل القبور مكتوب عليها أعمار قصيرة جداً.. خمس أعوام.. ثلاث أعوام .. عام ... أشهر ... أيام .. أمر غريب كثير هم الأطفال الذين يموتون في هذه القرية.. وسار الجوال في أرجاء المنطقة.. ثم رأى مشهد آخر شديد الغرابة .. الناس في هذه القرية يحملون في أعناقهم دفاتر صغيرة .. وكانوا يقفون بين الحين والآخر ليدونوا شيء ما في هذه الدفاتر.. هكذا كانت أحوالهم جميعاً.... واستمر الجوال يسير ويسير وهو مندهش مما يراه, حتى وصل إلى مقهى صغير فجلس ليرتاح .. ورآه صاحب المقهى وعلم ما به من دهشة ... فتوجه إليه وسأله عن حاله.. فأجاب الجوال: لقد أدهشتني هذه المنطقة .. مقبرتها مليئة بالأطفال الصغار ... لا ادري لماذا يموت الناس في هذا المكان صغاراً ؟ .. وما يدهشني أيضا تلك الدفاتر المعلقة في أعناق الناس .. ماذا يدونون فيها ؟ ... فابتسم صاحب المقهى وقال : اما بالنسبة للدفاتر, فتلك دفاتر ندون فيها اللحظات الهامة في حياتنا... كلما مرت بنا لحظة مهمة ندونها.. وهكذا حتى إذا ما مات الشخص.. جمعنا اللحظات الهامة التي دونها في دفتره .. فكانت سنوات أو أشهر أو ساعات .. لأننا نعتقد أن عمر الإنسان يتقرر بلحظاته الهامة والتي أثرت في نفسه وفي غيره وفي حياته ...
فابتسم الجوال وطأطأ رأسه يفكر ..
نعم ... هذه القصة معبرة وجميلة ... ترى هل نمتلك نحن تلك الدفاتر ؟

***
بديع القشاعلة


  لماذا حين ارسم عينيك بقلم الرصاص لا أجد الممحاة لأمسح الدموع  من عينيك *** بديع القشاعلة