الحمّام
في أحد
الأيام, من أيام سانت بطرس بورغ الصيفية الحارة والرطوبة في كل مكان ورائحة التراب
الذي اختلط مع أوراق الشجر يملأ الهواء.. كانت عقارب الساعة تشير إلى الواحدة
والنصف من منتصف الليل.. سكون شديد هبط على المكان يقطعه صوت خافت من بعيد لإطارات
السيارات وهي تسير مسرعة بين الفينة والفينة في الشارع القريب من المسكن "بليخانافا
تري" .. كنت أحاول جاهداً النوم ولكن عبثاً أحاول.. أتقلب في فراشي ذات
اليمين وذات الشمال.. النوم يهرب مني ويأبى أن يأتي والنعاس يجافيني.. ماذا سأفعل
فكلما حاولت النوم زاد أرقي شدةً, فقررت أن أكتب رسالة لوالديّ .. اعتدلت في فراشي
واخذت ورقة وقلم كانتا على طاولة خشبية قديمة قريبة من سريري .. وبدأت أكتب..
أبي وأمي الغاليين
أتمنى أن تكونا بصحة وعافية, أما بالنسبة لي فالحمد لله أموري جيدة.. وها أنا
أتأقلم مع جو المدينة الرطب وصيفها الرطب الخانق.. أمس اقتنيت "جاكيت"
جديد, لونه أحمر.. هذه أول مرة في حياتي ألبس الأحمر.. أحياناً الجو في الليل يكون
باردا وماطراً رغم الصيف.. لذلك اضطررت لاقتنائه.. سأكتب لكم شيئاً مضحكاً حدث معي
أمس.. كما تعلمون فإن غرفتي صغيرة وليس فيها "دوش" .. بل مرحاض وحوض
صغير.. فذهبت إلى المسؤولة كي أخبرها أين يمكن الاستحمام.. فأعطتني رقم هاتف وقالت
لي:
-
" عليك أن تتصل وتحجز دور
للإستحمام" ..
لقد ضحكت حينها واستغربت الأمر بشدة .. ولكن لا
مفر .. اتصلت في حينها ورد على صوت رجل وقال:
-
" ألو زدرازفوتي" .. بالروسية مرحباً ..
فقلت له:
-
" زدرازفوتي .. يا ختشو زاكازات دوش".. بالعربية يعني أريد أن
أحجز حمام أو "دوش" ..
وهكذا دار
بيني وبينه حديث وأعطاني موعد وساعة وعنوان .. كان المكان يبعد عن مسكني سيراً على
الأقدام عشر دقائق .. فذهبت هناك وأخذت معي لوازم الحمام, الشامبو والليفة ومناشف
.. وسار كل شيء بصوره طيبة ولكنها مضحكة.. هه..
هذه هي حكايتي
مع أول حمام في سانت بطرس بورغ.. لا أنساها أبداً..
أبي وأمي
أدامكم الله وحفظكم ..
وهكذا انتهيت من كتابة الرسالة لوالديّ .. حينها شعرت بثقل جفنيّ ومداعبة
النعاس .. فارتخيت في فراشي وغططت في نوم عميق..
***
بديع القشاعلة




